آخر تحديث :الأحد-15 فبراير 2026-01:36ص

مِنْ سِيادةِ تُبّع إلى نُصْرَةِ الدّاعيّ تّحوّلات الهُويّة اليمنيّة حِكاية مُرثد بن عبد كلال وعُفيراءَ الحميريّة (3-5)

السبت - 14 فبراير 2026 - الساعة 07:45 م
د. مجيب الرحمن الوصابي

بقلم: د. مجيب الرحمن الوصابي
- ارشيف الكاتب


الحُلمُ في المخيال العربي نصٌ مُوازٍ للحياة الواقعية؛ يُقرأ بعناية لفهم الذات والقَدْر، وهو حالة فريدة يمزج بين الموروث الشعبي والإيمان الديني والحدس الشخصي/ الجمعي.


يُروى أنّ مرثد بن عبد كلال ذاك القيل المسيحي، أحد ملوك حميرالمتأخرين- خَلّدت ذكره النقوش الصامتة قبل لسان الرواة- عاد من غزوةٍ ظافرًا، فازدحمت بباب قصره وفود العرب تقرّ له بالسيادة والخضوع. وفي ذروة هذا المجد اليماني الباذخ، رأى في منامه رؤيا أفزعته- تتكرر هذه الرؤيا الاستشرافية مع ملوك آخرين سنأتي على ذكرهم-


ثم استيقظ وقد نُسّيَ تفاصيل الرؤيا وبقي في صدره ثقلٌ مريب. احتجب الملك، وعجز الكُهّان عن سبر أغوار غيابه، حتى قادته الأقدار في رحلة صيدٍ إلى خباءٍ تسكنه فتاةٌ تدعى عُفيراء. استقبلته بلقب الملوك، ثم فكّت طلاسم قلقه بكلماتٍ كانت بيانًا سياسيًّا وفلسفيًّا شاملًا:


الْأَعَاصِيرُ وَالزَّوَابِعُ مُلُوكٌ تَبَابِعُ، وَالنَّهْرُ عِلْمٌ وَاسِعٌ، وَالدَّاعِي نَبِيٌّ شَافِعٌ .


في هذه الحكاية تتجسد لحظة توتر عميقة بين جنوبٍ ملكيٍّ عريق، وشمالٍ حجازيٍّ كان يتأهب لقيادة دينية جديدة. اليمن، منذ سبأ وحمير وحضرموت، عرفت نظام الدولة والمركزية، وكانت حواضرها أقطاباً سياسية يقصدها العرب اعترافاً بالمكانة. أما الحجاز، فكان فضاءً قبلياً لا ملِك فيه، لكنه يملك شرعية الحرم ورمزية البيت. رؤيا مرثد جاءت لتعلن- بصيغة رمزية- نهاية طورٍ وبداية آخر؛ فـ الأعاصير بما تحمله من مهابة، توحي أيضاً بالزوال والسرعة، وكأن الذاكرة العربية كانت تهيئ النفس لطيّ صفحة (التبابعة الحميريين بوصفهم قوة مادية، لفتح صفحة النبي الشافع بوصفه سلطة روحية جامعة).


حين سأل مرثد: فمن أعضاده؟ أي أنصاره، أجابت عفيراء:


أَعْضَادُهُ غَطَارِيفُ يَمَانُونَ.. وَإِلَى نَصْرِهِ يَعْتَزُونَ .


هنا يحدث التحول الجوهري؛ فالنص لا يصوغ التغيير في صورة صراعٍ وجودي صفريٍّ يُقصي اليمن، بل يعيد توزيع الأدوار. فبينما يملك الداعي الحجازي (القرشي) الرسالة والشرعية الروحية، يظل اليماني هو العضد والقوة المادية التي تمكن هذه الرسالة. إنها معادلة قريش تملك الدعوة، واليمن يملك القوة، وهي المعادلة التي ستنفجر لاحقاً في التاريخ الإسلامي باعتبارها حقيقة جيوسياسية.


إن قلق مرثد ليس خوفاً شخصياً، بل هو قلق حضاري أمام تحوّلٍ في معنى السلطة. هذا القلق هو ذاته الذي سيتردّد صداه في سقيفة بني ساعدة، حيث وقف الأوس والخزرج- وهما فرعا السرحة اليمانية الوارفة في يثرب- ليعيدوا تمثيل هذه الجدلية. في السقيفة، كان الأنصار يدركون أنهم عضد الدولة وأصحاب الدار والنصرة، بينما كانت قريش تتمسك بمركزية الإمامة.


لقد كانت الحكاية اليمانية المبكرة تمهد الطريق لـ الأوس والخزرج ليكونوا هم الحاضنة التاريخية للوحي. فالفخر القحطاني لم ينكسر أمام السيادة القرشية، بل وجد مخرجه في كونه المدد الذي لولاه لما قامت للرسالة قائمة. وبذلك، حفظ اليمنيون مكانتهم التاريخية عبر تحويل عصبية الملك القديمة إلى طاقة فتوح عالمية.


لم تكن قصة مرثد وعفيراء مجرد حكاية، بل كانت عملية إعادة توزيع للرمزية السياسية. لقد انتقل العرب من عباءة الملك الجنوبي الذي يحكم بالسطوة، إلى لواء النبي الحجازي الذي يقود بالوحي، مع بقاء اليمن هو العماد والمادة التي تشكلت منها إمبراطورية الإسلام.


إنها محكيّة تصالح بين العرش اليماني والمحراب الحجازي؛ فالتاريخ لم يمحُ اليمن، بل نقله من مركز الملك إلى مركز النصرة، لتظل اليمانية هي الروح المحركة للجسد الإسلامي العظيم، من قصور حمير إلى منبر المدينة.