يتسابق الجميع اليوم إلى الرياض لإصلاح ما عبث به الزمن، وتتصدر العناوين مشاهد اللقاءات والمشاورات والوعود العريضة التي تبشر بمرحلة جديدة عنوانها التغيير والتصحيح. الكل يتحرك، الكل يتحدث، والكل يترقب ما ستؤول إليه تلك الجهود من نتائج تنعكس على الواقع المرهق الذي أنهكته السنوات.
وفي خضم هذا الحراك، تقف فئة المعينين أكاديميا في زاوية بعيدة عن الأضواء. يعملون بصمت، يؤدون واجبهم اليومي في قاعات الدرس ومكاتب البحث، يحملون هموم الطلبة، ويجتهدون في الحفاظ على ما تبقى من قيمة للعلم وسط واقع صعب. لا ضجيج يرافقهم، ولا منصات تتحدث باسمهم، ولا إنصاف يوازي حجم العطاء الذي يقدمونه.
لقد ظلت هذه الفئة تمارس دورها التنويري رغم شح الإمكانات وتأخر الاستحقاقات وتراكم الأعباء. آمنت بأن رسالتها أكبر من الظروف، وأن بناء العقول لا يحتمل التوقف أو المساومة. فبينما تتغير الوجوه والمواقع، يبقى الأستاذ الجامعي ثابتاً في موقعه، يؤدي رسالته بأمانة، ويصبر على تجاهل طال أمده.
إن إصلاح ما أفسده الزمن لا يكتمل بالقرارات السياسية وحدها، بل يحتاج أيضا إلى إنصاف حقيقي لمن يصنعون الوعي ويؤسسون للمستقبل. فالمعينون أكاديميا ليسوا رقما هامشيا في معادلة الوطن، بل هم ركيزة أساسية لأي نهضة منشودة. وإن كان الجميع يتسابق اليوم نحو الإصلاح، فإن أولى خطواته تبدأ برد الاعتبار لأصحاب العطاء الصامت، وتقدير جهودهم، وتمكينهم من حقوقهم كاملة غير منقوصة.
فالنهضة لا تقوم إلا على أكتاف العلم، والعلم لا يزدهر إلا حين يشعر أهله بالعدل والاحترام.