آخر تحديث :السبت-14 فبراير 2026-10:26م

قصصُ التاريخ لا تُحكى للأطفال كي يناموا.. بل تُحكى للرجال كي ينهضوا ويستعدّوا

السبت - 14 فبراير 2026 - الساعة 03:04 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


بقلم: حسين علي باهميل


عندما نتحدث عن تاريخ الجنوبي، فإننا لا نستعرض حكاياتٍ للحنين، ولا نفتّش في دفاتر الماضي بحثًا عن بكاءٍ مؤجل، بل نستنهض همم العقلاء، ونوقظ الوعي الذي غفا طويلًا تحت شعاراتٍ كبيرة ونتائجٍ صغيرة.


ستون عامًا مرّت…

تبدّلت فيها الأسماء، وتغيّرت الرايات، وتعاقبت القيادات، لكن السؤال بقي كما هو:

هل تعلّمنا من أخطائنا؟

أم أننا نعيد تدويرها بأشكالٍ جديدة، ونظن أننا بذلك صنعنا واقعًا مختلفًا؟


التاريخ الجنوبي ليس مجرد محطات سياسية، بل هو دروسٌ في الإقصاء حينًا، وفي الصراع حينًا آخر، وفي تغليب الجماعة الضيقة على الوطن الواسع. هو سردية مليئة بالعبر لمن أراد أن يعتبر، ومليئة بالتحذيرات لمن أراد أن يتجاهل.


حين نقرأ تاريخنا بصدق، نكتشف أن أكبر أزماتنا لم تكن دائمًا من الخارج، بل من داخلنا… من عقلية التخوين، ومن ثقافة احتكار الحقيقة، ومن وهم أن الجنوب ملكٌ لفئة دون غيرها.

وكلما اختلفنا، سلخ بعضنا بعضًا من الهوية، بدل أن نحتضن الاختلاف باعتباره ثراءً لا تهديدًا.


إن لم يعتبر الجنوبيون مما حدث خلال ستة عقود، سنظل ندور في الحلقة ذاتها، نبدّل العناوين ونحافظ على الأخطاء، نرفع الشعارات ونؤجل المراجعة.

وسنبقى — كما يقول الميدان العسكري — “محلك سر”، نتحرك كثيرًا ولا نتقدم خطوة.


وفي هذا السياق، علينا أن نغتنم دعوة قيادة المملكة العربية السعودية للحوار الجنوبي، وأن نكون صادقين معهم كما كانوا صادقين معنا؛ ليس من اليوم، بل منذ أن استقبلت المملكة كل من أُقصي خلال ستين عامًا، وفتحت أبوابها لمن ضاقت بهم أوطانهم، فاحتضنت الإنسان قبل السياسة، وقدّمت مساحةً للقاء حين ضاقت مساحات الحوار في الداخل. إن صدق النوايا في هذه اللحظة ليس مجاملة لأحد، بل مصلحة جنوبية خالصة، لأن أي حوار لا يقوم على الثقة والوضوح لن يصنع مستقبلًا مختلفًا.


التاريخ لا يرحم من لا يتعلم.

والأمم التي لا تصالح نفسها مع أخطائها، محكومٌ عليها أن تعيشها مرةً أخرى.


فلنحكِ تاريخنا لا لنشعل الأحقاد، بل لنضيء الطريق.

ولنستدعِ الماضي لا لنقيم فيه، بل لنتجاوزه بوعيٍ ومسؤولية.

فالجنوب أكبر من الأشخاص، وأبقى من المراحل، وأسمى من أن يُختزل في تجربةٍ واحدة أو جيلٍ واحد.


إن النهضة تبدأ من الاعتراف،

والاستعداد يبدأ من الفهم،

والتقدم يبدأ حين نقرر — بصدق — أن نتعلم قبل أن نكرر.


وإلا… فسنظل واقفين في المكان نفسه،

نروي القصص، وننتظر المعجزات