لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد ملف جنائي مثقل بالانتهاكات، بل كانت زلزالاً كشف التصدعات الهيكلية في بناء الدولة الحديثة. إنها حكاية النفوذ حينما يتغول ليصبح "دولة داخل الدولة"، حيث المال لا يشتري الصمت فحسب، بل يشتري الولاءات السياسية ويشل يد العدالة لعقود.
مابين 2007 و2019: هندسة الإفلات من العقاب
منذ عام 2007 وحتى لحظة سقوطه في 2019، لم يكن إبستين يعمل في الخفاء، بل كان يتحرك في "المنطقة الرمادية" التي تخلقها ثروات النخبة. إن عجز المؤسسات عن ردعه طيلة هذه السنوات يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى القوانين إذا كانت تُصاغ لتطال الضعفاء وتتحطم عند أعتاب القصور.
إن ما يُعرف بـ"صفقة عدم الملاحقة" التي حصل عليها إبستين في بداياته لم تكن خطأً إجرائياً، بل كانت تجسيداً لخصخصة النفوذ؛ حيث تفاوضت السلطة مع الجريمة بدلاً من قمعها، مما منح إبستين عقداً إضافياً من الزمن ليمارس انتهاكاته تحت حماية قانونية مشوهة.
عولمة الفساد وتآكل السيادة
لم تكن شبكة إبستين محصورة في جغرافية معينة، بل كانت خيوطها تمتد من نيويورك إلى باريس وجزر الكاريبي. تشابك المصالح مع أسماء بوزن بيل كلينتون، ودونالد ترامب، والأمير أندرو، جعل من المحاسبة مغامرة سياسية غير محسوبة العواقب.
هنا تظهر هشاشة "الدولة القومية" أمام "الشبكات العابرة للحدود"؛ فبينما يلتزم المواطن العادي بقوانين بلده، كانت النخبة العالمية تخلق لنفسها فضاءً خاصاً لا يخضع لرقابة ولا يعرف حدوداً، مما جعل أجهزة الدولة القومية تبدو قاصرة وبدائية أمام نفوذ يتجاوز القارات والتشريعات.
صناعة الإلهاء: الوثائق كأداة للتحكم في الوعي
إن الإفراج عن ملايين الصفحات من الوثائق بعد رحيل إبستين لم يكن مجرد انتصار متأخر للشفافية، بل بدا في عمقه كـ مناورة رمزية وإدارة للأزمات. يرى التحليل السياسي الواعي أن ضخ هذه الكمية المهولة من الفضائح الأخلاقية في توقيت حساس قد يهدف إلى وظيفتين:
تسطيح الوعي الجمعي: إغراق الرأي العام بفضائح "غرف النوم" والشخصيات الشهيرة لصرف الأنظار عن قضايا مصيرية وجرائم جيوسياسية كبرى، وعلى رأسها حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة.
التعميم الأخلاقي: تصدير فكرة أن "الجميع مدنس"، وهي سردية تخدم الأنظمة المهتزة عبر إقناع الشعوب بأن الفساد قدَرٌ كوني لا مفر منه، وبالتالي نزع الشرعية عن أي حراك يطالب بالنزاهة المطلقة.
"إبستين لم يكن مجرد رجل؛ كان تجسيداً للفشل المؤسساتي الذي يحدث حينما تبيع الدولة هيبتها في سوق النخبة، لتتحول المؤسسات من حارسة للمصالح العامة إلى شركات أمنية لحماية الأقوياء."
السؤال الجوهري: هل نحن أمام "قاعدة" الفشل؟
تكشف هذه القضية أن هشاشة الدولة الحديثة أمام "رأس المال المتوحش" ليست خللاً عابراً، بل هي نتيجة منطقية لتحول السياسة إلى ملحق بقطاع المال. إن تقاعس الأجهزة الأمنية والتسويات القضائية المهينة التي حظي بها إبستين سابقاً، تؤكد أن النخبة قد أحكمت إغلاق الدائرة حول نفسها، تاركةً الشعوب أمام وهم "المساواة أمام القانون".
إن قضية إبستين هي الإعلان الرسمي عن انحطاط النموذج الذي يقدس الثروة على حساب العدالة. لقد سقط القناع عن وجه "الدولة الحديثة" لتظهر عاجزة، ليس لقلة الإمكانيات، بل لافتقاد الإرادة الأخلاقية أمام سطوة المال. هي رسالة صادمة وموجعة لجيلٍ كان يظن أن "المؤسسات" هي الحصن المنيع، ليكتشف أنها في لحظات الحقيقة قد تتحول إلى مجرد واجهات كرتونية تخفي خلفها قبح النفوذ المطلق.