آخر تحديث :السبت-14 فبراير 2026-12:46ص

حين تتجاوز الكلمة حدود الصوت

الجمعة - 13 فبراير 2026 - الساعة 08:43 م
د. عارف محمد الحوشبي

بقلم: د. عارف محمد الحوشبي
- ارشيف الكاتب


في المخا حيث يكتب البحر سيرته على جدران التاريخ وحيث يتعانق الملح بالقهوة كانت زيارتنا أكثر من مجرد حضور لفعالية، بل كانت عودة إلى سؤال فلسفي: كيف يمكن أن تتحول الكلمة إلى مقاومة؟ وكيف يصبح الصوت جسراً بين الوعي والواجب؟

في رحاب المخا التاريخية شاركنا إذاعة صوت المقاومة احتفاءها باليوم العالمي للإذاعة الموافق 13 فبراير من كل عام تحت شعار (نحتفي بالنجاح وبصانعيه).

لم يكن التاريخ رقماً في الروزنامة بل محطة رمزية يتجدد فيها الإعتقاد بأن الإذاعة رغم تطور الوسائط وتعدد المنصات ما تزال هي صوت الإنسان الأول صوته حين يريد أن يخاطب الجميع بلا حواجز او تمييز....في الاذاعة بدا الميكروفون أشبه بمنارة صغيرة تهدي السفن التائهة في بحر الإشاعات وتدلها على مرافئ الحقيقة وفي زمن تتكاثر فيه الأصوات تصبح القيمة لها ليست في ارتفاعها بل في صدقها.

شهدنا اليوم تخريج الملتحقين بدبلوم أساسيات العمل الإذاعي دفعة الشهيد عبدالفتاح غراب (أبو جلال) في لحظة امتزج فيها الوفاء بالمسؤولية، فالإذاعة ليست مهنة فحسب بل موقف أخلاقي من العالم المحيط. أُعلنت الاذاعة اليوم عن الخارطة البرامجية لشهر رمضان 1447هـ، لتؤكد أن الموسم الروحي يمكن أن يكون موسماً للوعي أيضاً حيث تصبح الكلمة صدقة والمعلومة حياة ويغدو الأثير مساحة للخير العام.

اليوم كان لنا شرف التكريم باسم المركز الوطني للتثقيف والإعلام الصحي والسكاني وهو تكريم نعده وساماً على صدور جميع منتسبي المركز، إنه اعتراف بدور التثقيف الصحي في معركة الإنسان ضد الجهل والمرض وتأكيد أن الشراكة بين الإعلام والصحة ليست ترفاً مؤسسياً بل ضرورة وجودية، فالصحة بلا إعلام قد تبقى حبيسة التقارير والإعلام بلا رسالة قد يتحول إلى صدى بلا معنى ومن هنا نرى في إذاعة صوت المقاومة شريكاً إعلامياً متميزاً يلتقي معنا في الهدف المتمثل برفع الوعي وصناعة الأثر.

زيارتنا اليوم لم تكن رسمية بقدر ما كانت إنسانية وفيها وجدنا ان حسن الاستقبال وكرم الضيافة عكسا روح الساحل الغربي بساطة أصيلة ودفء لا يتكلّف وقد زادها روعة التنسيق الجيد من الأخ جهاد يحيى أحد كوادر الإذاعة الإعلامية وبتكليف من مدير الاذاعة الاستاذ احمد غيلان والذي جسد معنى أن يكون الإعلام عملاً جماعياً لا بطولة فردية بل تناغماً بين العقول والقلوب.

زيارتي هذه هي الثانية للساحل الغربي بعد زيارة الخوخة العام الماضي وكأن المكان يعلمنا أن التكرار ليس إعادة بل تعميق للصلة، ففي كل مرة نكتشف أن الجغرافيا حين تُضاء بالفكرة تتحول إلى رسالة وأن الأماكن حين تحتضن القيم تصبح جزءاً من الذاكرة الأخلاقية للإنسان.

على هامش الزيارة التقينا بالأخت الأستاذة إيمان النشيري رئيسة دائرة المرأة في المكتب السياسي للمقاومة الوطنية وبحضور الدكتور صادق الصيادي وعزيز عبدالمجيد وحياة جعدان وآخرين دار النقاش حول تنسيق الجهود لرفع الوعي الصحي في المخا وإمكانية المشاركة في برامج التوعية الرمضانية، لقد كان الحوار صريحاً ومسؤولاً إذ لا يكفي أن نمتلك الرسالة بل ينبغي أن نحسن إيصالها وأن نصوغها بلغة تلامس الاذان والقلوب لأن الوعي لا يُفرض بل يُبنى.

ندرك جميعا اليوم أن الإذاعة ليست مجرد موجة اثير في الهواء بل ضمير يسري في المجتمع وأن النجاح ليس حدثاً عابراً بل تراكم إخلاص وصبر، تعلمنا اليوم أن الصوت حين يحمل قيمة يصبح أثقل من الرصاص وأن النجاح حين يُنسب إلى صانعيه يتحول من حدث عابر في الذاكرة إلى ثقافة عابرة للزمان والمكان وتعلمنا أن الإذاعة في جوهرها ليست وسيلة إعلام بل شكل من أشكال الأمل.

جزيل الشكر والتقدير لإذاعة صوت المقاومة قيادة وكوادر على هذا العرس الإعلامي الذي صادف اليوم العالمي للإذاعة وعلى هذا التكريم الذي نعتز به.

ولنكن معاً صوتاً للوعي الصحي وشركاء في صناعة الحياة.

✍️ د.عارف محمد الحوشبي

مدير عام المركز الوطني للتثقيف والاعلام الصحي والسكاني