آخر تحديث :الأربعاء-11 فبراير 2026-01:24ص

حين يتحوّل الخلاف السياسي إلى تهمة خيانة!

الثلاثاء - 10 فبراير 2026 - الساعة 10:33 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


بقلم: حسين علي باهميل


في التجارب السياسية الناضجة، يُعدّ الاختلاف علامة صحة، ودليل حيوية في المجتمع. أما حين يتحول الاختلاف إلى تهمة، والرأي الآخر إلى خيانة، فذلك يعني أن السياسة خرجت من إطارها الطبيعي، ودخلت منطقة الوصاية والإقصاء.


اليوم، يواجه كثير من الجنوبيين معادلة قاسية: إن اختلفت مع المجلس الانتقالي أو انتقدت بعض ممارساته، قيل لك فورًا إنك مع الشماليين، أو مع الوحدة، أو ضد الجنوب. لا مساحة لرأي ثالث، ولا اعتراف بأن الجنوب أوسع من أي مكون سياسي، وأعمق من أي قيادة مهما كان حجمها أو حضورها.


المشكلة هنا ليست في الاختلاف السياسي، بل في احتكار تعريف “الجنوبية” نفسها. وكأن الانتماء للأرض والتاريخ والهوية يحتاج إلى شهادة اعتماد، أو ختم سياسي، أو موافقة من شخص أو جماعة. وكأن الجنوب لم يكن موجودًا قبل هذه المرحلة، ولم يكن له رجال وقضايا ونضالات قبل ظهور القيادات الحالية.


الحقيقة التي يتجاهلها البعض أن فكرة الجنوب، والدفاع عن قضيته، ليست ملكًا لأحد. هناك من آمن بالجنوب قبل أن تتشكل التنظيمات الحالية، وقبل أن تولد أسماء تتصدر المشهد اليوم. هناك من دفع ثمن مواقفه سجنًا ونفيًا وتضييقًا منذ زمن الجبهة القومية، فقط لأنه قال رأيًا مختلفًا أو حذر من مسارات خاطئة. ومع ذلك لم يتخلَّ عن الجنوب، ولم يساوم عليه، ولم يحتكر الحديث باسمه.


المفارقة المؤلمة أن من حذّر مبكرًا من مخاطر الوحدة على الجنوب، ومن أخطاء إدارة الصراع، أصبح اليوم مطالبًا بإثبات جنوبيته، فقط لأنه لا يصفق لكل قرار، ولا يوافق على كل ممارسة. وكأن المطلوب ليس الانتماء للجنوب، بل الانتماء لموقف سياسي واحد لا يقبل النقاش.


إن الجنوب الذي نحلم به لا يمكن أن يُبنى بالإقصاء، ولا بتوزيع صكوك الوطنية، ولا بتخوين المختلفين. الجنوب الذي يتسع للجميع هو الجنوب القادر على البقاء، أما الجنوب الذي يُختزل في جماعة أو قيادة، فهو مشروع صراع دائم، لا مشروع دولة.


السؤال الحقيقي ليس: من مع الانتقالي ومن ضده؟

بل: هل نقبل أن يكون الجنوب ملكًا للجميع، أم حكرًا على من يرفع صوتًا أعلى؟


الجنوب أكبر من الأشخاص، وأبقى من التنظيمات، وأعمق من اللحظة السياسية الراهنة. ومن يحب الجنوب حقًا، لا يخاف من النقد، ولا يصادر الرأي، ولا يطلب من الناس شهادة انتماء مختومة.


فالانتماء للأرض لا يُمنح… بل يُولد مع الإنسان، ويُثبت بالموقف، لا بالتصفيق.