آخر تحديث :الأربعاء-11 فبراير 2026-01:27ص

​حكومة العمل لا الشعارات

الثلاثاء - 10 فبراير 2026 - الساعة 09:46 ص
محمد عبدربه

بقلم: محمد عبدربه
- ارشيف الكاتب


محمد عبدربه


نجاح أي حكومة لا يُقاس بالشعارات ولا بالخطابات، بل بقدرتها الفعلية على ملامسة هموم الناس اليومية، وتحويل الوعود إلى واقع ملموس. والحكومة الجديدة التي أدّت اليمين الدستورية برئاسة فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي تقف اليوم أمام اختبار حقيقي، عنوانه: هل تستطيع أن تؤسس لاستقرار فعلي، أم ستكون مجرد حلقة جديدة في سلسلة الإخفاقات؟


استقرار الحكومة ونجاحها يرتبطان مباشرة بقدرتها على التعامل الجاد مع الملفات ذات الأولوية في بناء الدولة، وفي مقدمتها الخدمات الأساسية. فالكهرباء والمياه ليستا ترفًا، بل عصب الحياة اليومية. من دون كهرباء مستقرة تتوقف المصانع، تتعطل المستشفيات، يتضرر الطلاب، وتنهار الصحة العامة. المواطن لا يطلب المستحيل، بل حياة كريمة بحدها الأدنى. ولهذا فإن مسؤولية الحكومة جسيمة، ولا يمكن إدارتها بعقلية الترقيع والمولدات المؤقتة، بل تتطلب مشاريع استراتيجية ومستدامة تعالج جذور الأزمة لا مظاهرها.


الملف الاقتصادي يظل التحدي الأكبر، وهو معيار “أن نكون أو لا نكون”. صرف المرتبات بانتظام يمثل صمام الأمان الاجتماعي، فالموظف الذي يفكر في لقمة عيشه لا يستطيع أن ينتج أو يخدم وطنه. شعبنا اليمني أنهكته الأزمات، وتكالبَت عليه قوى فساد لا ترى في الوطن سوى غنيمة، همّها الجيب لا الدولة. حماية العملة الوطنية من الانهيار مسألة مصيرية، لأن التضخم يلتهم أي زيادة في الرواتب، والسيطرة على سعر الصرف لا تتحقق إلا بتفعيل حقيقي لدور البنك المركزي، ووقف المضاربات، وتنشيط الصادرات، وإدارة الموارد بشفافية ومسؤولية.


أما القطاع الخدمي، وعلى رأسه الصحة والتعليم، فهو أساس بناء الإنسان قبل البنيان. المستشفيات الحكومية يجب أن تكون ملاذ الفقراء الحقيقي، عبر توفير الأدوية وتأهيل المرافق الطبية، بدل ترك المواطن فريسة لغلاء المستشفيات الخاصة. والتعليم هو الاستثمار الوحيد الذي يضمن ألا نكرر أخطاء الماضي؛ فالمعلم المستقر ماديًا هو الطريق إلى جيل متعلم بشكل صحيح. لقد أرهقت الظروف القاسية غالبية أبناء الشعب اليمني، ومع تكرار الفشل السياسي بات المواطن يشعر أننا ننتقل من حكومة إلى أخرى، بينما الفساد هو الثابت الوحيد.


ما نريده ببساطة هو حكومة تبني لا تهدم، حكومة لا تكون مرتهنة للخارج، بل تنظر أولًا وأخيرًا إلى مصلحة الوطن، وتحترم اليمين الدستورية لا كشكل، بل كالتزام أخلاقي ووطني.

صحيح أن النجاح لا يتحقق بين ليلة وضحاها، لكن وجود خطة واضحة، وشفافية في إدارة الموارد، هو ما يبني جسر الثقة بين المواطن والحكومة.


نجاح الحكومة يُقاس بمؤشرات ملموسة تمس حياة الناس اليومية: السيطرة على معدلات التضخم، ثبات الأسعار، توفير فرص عمل للشباب، تقليل البطالة، وجذب الاستثمارات. كما أن الاستقرار الاجتماعي والأمني يظل حجر الزاوية، فالشعور بالأمان هو أبسط حق يطلبه المواطن من دولته.


باختصار، الحكومة الناجحة هي التي تبني مستقبلًا أفضل من الحاضر، بينما الحكومة الفاشلة هي التي تستهلك موارد المستقبل لترقيع أخطاء الحاضر. أمنيتنا الصادقة أن يوفق الله هذه الحكومة وكل من يتولى مسؤولية عامة، ليكون على قدر الأمانة، وأن يرى المواطن اليمني أثر هذا العمل خيرًا ورخاءً يلمسه في حياته اليومية، لا في البيانات والخطب.