آخر تحديث :الثلاثاء-10 فبراير 2026-12:55ص

مسار المستقبل.. ومفاجآت مزعجة

الإثنين - 09 فبراير 2026 - الساعة 03:38 م
عبدالله بشارة

بقلم: عبدالله بشارة
- ارشيف الكاتب


في يوم السابع من نوفمبر المقبل 2026 يصل عمري الى التاسعة والثمانين، تاركاً عاماً قادماً ينقلنى الى التسعين، وهذه حقيقة ليس لي أي دور فيها، وكلها جاءت من أحكام الخالق العظيم. بدأت أمتثل لهذا الواقع عندما اكتشفت غياب معظم الأصدقاء الذين عرفتهم من «أبناء الفريج»، كما نسميهم، ولم يتبق منهم إلا ما ندر، كما غاب عدد كبير من الاصدقاء الذين عرفتهم في المدارس وفي مختلف مواقع الحياة، وأشعر، ومن هذا الواقع، بثقل الفضاء الذي تركه لي أصدقاء الأمس الذين رحلوا.

ومن هذه الحقيقة الجامدة، تطورت خريطة المستقبل لأشغلها بتسجيل المفيد مما جمعته خلال عملى في وزارة الخارجية وأحدد بدايتها في آخر أشهر عام 1963، حيث جاءت الصدفة التى حملتني الى محطات لم تأت على البال وأنها بعيدة جداً، جغرافياً ومزاجياً، من أن تضمني لعشاقها.

كنت عائداً الى الكويت بعد خدمة في سفارة الكويت في تونس، حيث كان المرحوم السيد رجب الرفاعي سفيراً، وبقيت معه حوالي سنتين، مكتفياً بالمدة التي شاركت فيها لخدمة السفارة هناك.

وتجولت في مكاتب الوزارة متحدثاً مع الأصدقاء من العاملين فيها، وبلا مقدمات وجدت من يسألني عن إمكانية الذهاب الى القاهرة لتمثيل الكويت في اجتماعات احدى لجان الجامعة العربية التي ستجتمع في القاهرة خلال يومين. وتطوعت مدفوعا باكتشاف نوع العمل في الجامعة العربية، خاصة أن الملف الذي ستناقشه اللجنة حول موضوع اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية وهي اللجنة الدائمة التي تتابع احتياجات اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، لبنان، غزة، الاردن، وغيرها من الاماكن. توجهت الى القاهرة والتقيت هناك بالدبلوماسي ابراهيم البحوه الذي سيشاركني في لقاء الجامعة العربية، وذهبنا نحن الاثنان الى مقر الجامعة العربية حيث كان اللقاء، وبدأ الاجتماع وفق التقاليد بالترحيب والتشديد على أهمية النتائج. وبدأ الاجتماع حاملاً مفاجأة لم يتوقعها أحد، حيث قدم وفد مصر مذكرة تشير الى تواجد وفد أسترالي في الكويت يقابل الفلسطينيين المتواجدين في الكويت ويعرض عليهم السفر الى أستراليا، عارضاً الاغراءات في ضمان حياة مستقرة، وكل ذلك يتعارض مع قرارات الجامعة العربية لكي لا يذوب شعب فلسطين منتشراً في الكرة الأرضية، الامر الذي يقلص الاهتمام بالقضية ويؤدي الى تلاشيها.

كانت مفاجأة مزعجة، صحيح ليس فيها تهمة مباشرة ضد الكويت وانما فيها لوم جماعي لعدم الالتزام بقرارات الجامعة حول هذا الموضوع، مع تراخ يضر بالقضية ويضيع التركيز عليها.

عبرت بقوة عن احتجاج الكويت، مشيراً الى امكانية ابلاغ وزارة الخارجية الكويتية بالموضوع، من قبل السفارة المصرية في الكويت، مؤكداً على التزام الكويت بالقرارات وصدق نواياها.

المهم انتهى الموضوع بهدوء في قاعة الاجتماعات وأبلغت الوكيل عبدالرحمن العتيقي الذي نقل الأخبار الى الشيخ صباح الأحمد الذي تولى وزارة الخارجية في بداية عام 1963، واستدعي السفير المصري وصدر بيان من الوزارة يؤكد اللوم في عدم ابلاغ الكويت بالموضوع بدلاً من التعامل بالاسلوب المخابراتي، وانتهت اجتماعات اللجنة بتأكيد الالتزام بالقرارات المتواصلة حول الموضوع.

عدت الى الكويت واخذني المرحوم عبدالرحمن العتيقي وكيل الوزارة الى مكتب الوزير الشيخ صباح الأحمد، الذي أقابله لأول مرة في حياتي وأشرح له التفاصيل واجواء الاجتماع وشعور الوفود العربية الأخرى تجاه النهج المخابراتي الذى أوصل محتواه الى اجتماعات الجامعة العربية.

وجدت الشيخ صباح متأثراً ومستاءً وشرحت له تفهم الوفود وعدم استحسانها للنهج المخابراتي حول ملف يحرص الجميع على الالتزام به، وكان موقع العتاب عدم ابلاغ السفارة المصرية وزارة الخارجية حول الحادثة واحاطتها بغلاف من السرية والمفاجأة.

ومع نهاية اللقاء، سألني الشيخ صباح الأحمد ماذا تعمل في الوزارة، فاخبرته بأنني عدت حديثاً من تونس وليس لي عمل في الوزارة. فطلب مني البقاء في مكتبه، مساعداً لمدير المكتب المرحوم عادل جراح الذي كان يعمل في وزارة الصحة ونقله المرحوم الشيخ صباح السالم معه الى الخارجية عندما أصبح أول وزير للخارجية في تاريخ الكويت، كان ذلك اللقاء أرقى مفاجآت الزمن، نقلني ذلك الاجتماع العربي وما دار فيه من قادم بلا عمل، الى مكتب معالي الشيخ صباح الأحمد، حيث بقيت فيه، أكثر من سبع سنوات متواصلاً مع معالي الشيخ الوزير اينما كان متنقلاً معه في أسفاره الكثيرة ومتابعاً مهماته ومدوناً محاضرها ومشاركاً في إعداد المذكرات وتدوين المحاضر التي تسجل مقابلات معالي الوزير، خاصة أن الشيخ صباح الأحمد امتثل لما تحتاجه الكويت منه، وأصعبها الحفاظ على التضامن العربي، بعد أن تقبلت الكويت شروط القاهرة في عدم الاعتماد على الدول الكبرى للدفاع عنها ومعنى ذلك تعريب الأمن الكويتي، فلا غريب يشارك، وتبقى الكويت أمانة عربية. تناغم الشيخ صباح الأحمد مع هذا المفهوم وتحمل أثقاله وعمل لازالة أشواكه وتحول الى فدائي لعلاج الخلافات العربية ترجمة للوصول الى تضامن عربي دائم وتنقل لكسب هذا التضامن، مواصلاً المسيرة الى يوم الغزو المشؤوم.

قدم الشيخ صباح حياته كلها تجاوباً مع المسؤولية التي تحملها في ملاحقة الخلافات العربية وتصويب اخطائها وردم المطبات التي تعترض طريق الانسجام الجماعي مندفعاً بالحس الوطني العارف بحاجة الكويت الى ردع يصد الاطماع حولها، ويخلق إرادة عربية شاملة للدفاع عن الكويت كعضو يحرص الجميع على استقلاله وعلى سلامته، وأعطى تلك المسؤولية كل ما لديه من طاقة وتواصل مؤتمناً على أمن الكويت مسلحاً بثقة أمير الكويت الشيخ عبدالله السالم ومن تبعه من أبناء الأسرة ومسنوداً من جميع المواطنين، ومحافظاً على ما حققته الكويت في دورها في مسار التنمية العربية، وملتزماً بما يريده العرب في الاعتماد على الجامعة العربية فقط، كنت معه يوم الغزو المشؤوم وعبرنا الحدود الى الاشقاء في المملكة العربية السعودية، كان المرحوم صامتاً طوال فترة العبور، فكل آماله في التضامن، وكل اطمئنانه للتآخي العربي قتلهما بلطجي بغداد صدام حسين.

رحمه الله الشيخ صباح الأحمد واسكنه واسع الجنات، أعطى الكثير، وترك سجلاً لامعاً في معاني السخاء لاجل الوطن.

*نقلاً عن "القبس".