آخر تحديث :الإثنين-09 فبراير 2026-12:42ص

نايف البكري…لسان المواقف في ذاكرة عدن

الأحد - 08 فبراير 2026 - الساعة 11:05 م
مازن الشعبي

بقلم: مازن الشعبي
- ارشيف الكاتب


لا يخلو الحديث عن عام 2015، حتى يومنا هذا، من رجفةٍ خفية تسري في الذاكرة كلما ذُكر الاسم. عامٌ لم يكن رقمًا في التقويم، ولا فصلًا عابرًا في كتاب ، بل كان لحظةً كثيفة، محمّلة بالوجع والأسئلة والرهان على ما تبقى من الأمل. ومهما حاولنا أن نعيد قراءته عبر العناوين أو نشرات الأخبار، يظل لسانه الأصدق هو ذاك الذي نقرأه في أنباء الناس، وفي هوامش الكتب، وفي ذاكرة مدينة أنهكها الغبار لكنها لم تفقد قدرتها على التمييز بين من مرّوا بها مرور العابرين، ومن تركوا أثرًا يشبه العلامة.

في عدن، المدينة التي تعلّمت أن تُخفي حزنها خلف البحر، لا يُقاس حب الناس باللافتات، ولا يُختصر الوفاء في الصور أو البيانات. هنا، تُوزن الأشياء بميزان آخر: ميزان المواقف حين تشتد العتمة، وحين يصبح الصمت أسهل من الكلام. ومن الصعب، بل من المستحيل، قراءة عمق هذا الحب العدني دون المرور على اسم ظل حاضرًا في أحاديث المجالس، وفي ذاكرة الشوارع، اسمٍ سبق الوزارة ولم تصنعه المناصب: نايف البكري.

كان وقوده الحقيقي هو الناس. لم يكن مشروعه سياسيًا بقدر ما كان إنسانيًا، ولم يتعامل مع اللحظة بوصفها سلّمًا للصعود، بل باعتبارها اختبارًا للصدق. منح الناس حبه، ومنحهم ما استطاع من إمكانات، دون أن يدّعي امتلاك مفاتيح الحل كلها، أو أن يقدّم نفسه كمنقذٍ. هكذا تروي الأغلبية، وهكذا تشهد السنوات التي عبرت، لا الأقلام وحدها.

أعود بذاكرتي إلى عام 2016، إلى مدينة كانت تخرج لتوّها من رماد الحرب، وإلى وجوهٍ تبحث عن معنى لما تبقى من الحياة. كنت حينها مراسلًا لتلفزيون دولة الكويت من عدن. آخر لقاء جمعني بالأخ الأستاذ نايف البكري لم يكن مجرد مهمة صحفية عابرة. أجريت معه لقاءً تلفزيونيًا، لكنني، وأنا أراجع التسجيل لاحقًا، أدركت أنني لم أكن أمام مسؤول يتحدث بلغة المنصب، بل أمام رجل يتكئ على قناعة، ويتحدث بصدقٍ لا يحتاج إلى زخرفة.

لم يكن حديثه مشبعًا بالوعود الكبيرة، ولا محمّلًا بالشعارات الجاهزة. كان أقرب إلى حكاية رجل يعرف ثقل اللحظة، ويعرف أن الكلمات، في زمن الخراب، إما أن تكون صادقة أو لا تكون. ومنذ ذلك اللقاء، لم تنطفئ شعلته، ولم يخفت بريقه مع تقادم السنوات. بقي كما هو… لسان المواقف.

قد يختلف الناس حول السياسة، بل يختلفون كثيرًا، لكنهم نادرًا ما يختلفون حين يكون الميزان هو الوقوف إلى جانب البسطاء. في هذا الامتحان الصعب، كان نايف البكري، على الأقل في نظر كثيرين، أفضل من غيره. لم يكن معصومًا من الخطأ، لكنه لم يكن بعيدًا عن الناس، ولم ينفصل يومًا عن لغتهم وهمومهم.

تاريخه السابق لم يكن عبئًا يحاول التخلص منه، بل كان زادًا يتقدّم به. تاريخ جميل، راقٍ، حاضر كوقود يتزوّد منه الجميع، لا كأرشيف يُستدعى للدفاع أو للمباهاة. كان مرآةً تعكس مسار رجل لم يتنكر لملامحه الأولى حين اقترب من الضوء، ولم يبدّل جلده عند أول اختبار.

وفي زمن ازدحمت فيه الكراسي، وبات المنصب غاية لا وسيلة، يظل نايف البكري استثناءً يستحق أن تُقال فيه كلمة حق، لا مجاملة، حتى لا يُظلم الجميع بتعميم القسوة. هو الوزير الذي حين نذكره، نذكره قبل أن يكون وزيرًا. نذكره إنسانًا، قريبًا من الناس، مفهومًا بلغتهم، حاضرًا في تفاصيلهم الصغيرة قبل قضاياهم الكبيرة.

منذ عام عقد من الزمن وحتى يومنا هذا، مرّ كثيرون، وتبدّلت وجوه، وتغيّرت عناوين، لكن بعض الأسماء بقيت لأن حضورها لم يكن صدفة، ولأنها لم تُبنَ على الفراغ. خلال الفترة السابقة، لم يأتِ وزير متواضع بذات المواصفات، على الأقل كما عرفه الناس وعرفته عدن. قد يختلف التقييم، وقد تتغير الظروف، لكن الذاكرة، حين تكون عادلة، لا تخطئ كثيرًا.

وهكذا بقي نايف البكري… ليس عنوان مرحلة فقط، بل شاهدًا على أن السياسة، حين تقترب من الناس، تصبح أقل قسوة، وأكثر صدقًا، وأقرب إلى الحياة.