آخر تحديث :الجمعة-20 فبراير 2026-03:56ص

حضرموت… العاصمة الاتحادية التي قد تنقذ اليمن

الأحد - 08 فبراير 2026 - الساعة 12:37 ص
د/ رياض عبدالسلام امير

بقلم: د/ رياض عبدالسلام امير
- ارشيف الكاتب


لم يعد التحدي الأكبر في اليمن منصبًا على من يحكم صنعاء أو يدير عدن، بل أصبح متعلقًا بقدرة الدولة اليمنية نفسها على العمل والبقاء. سنوات الصراع أثبتت أن العاصمة حين تتحول إلى ساحة صراع، تفقد وظيفتها كأداة إدارة، وتصبح عبئًا سياسيًا وأمنيًا.


في هذا السياق، تبرز فكرة الدولة الاتحادية كمسار واقعي للخروج من الأزمة، لا كمشروع تقسيم، بل كإطار وطني يعيد توزيع السلطة بين الأقاليم. ومن داخل هذا التصور، تُطرح حضرموت كخيار عملي لتكون العاصمة الاتحادية الإدارية لليمن الكبير، دون إلغاء دور صنعاء أو عدن، ودون استدعاء صراع رمزي على المركز.


تجربة اليمن، كما تجارب دول أخرى، تظهر أن الإشكال لا يكمن في المدن بحد ذاتها، بل في تركيز كل وظائف الدولة في مدينة واحدة. صنعاء، رغم رمزيّتها التاريخية والثقافية، أصبحت رهينة صراع معقد، بينما عدن لم تستقر كعاصمة فاعلة بسبب هشاشتها الأمنية والسياسية.


هنا تأتي فكرة العاصمة الاتحادية الوظيفية: عاصمة تُخصَّص لإدارة شؤون الاتحاد، لا لمنافسة الرمزية التاريخية أو احتكار القرار الوطني. هذا النموذج يفتح المجال أمام توزيع الأدوار بين المدن ويخفف الصراع المزمن على “مركز الدولة”.


حضرموت تمتلك خصائص تؤهلها لهذا الدور. فهي أكبر أقاليم اليمن مساحة، وبعيدة نسبيًا عن بؤر الصراع المذهبي والمناطقي، وتتمتع بنسيج اجتماعي أكثر هدوءًا وتصالحًا. ثقافتها المدنية والتجارية التاريخية، وشبكة علاقاتها عبر جالياتها في الخارج، تمنحها بعدًا منفتحًا وقدرة على التواصل الإقليمي والدولي.


اقتصاديًا، حضرموت غنية بالموارد الطبيعية والموانئ والثروات البحرية والزراعية، إضافة إلى رأس مال بشري واسع، ما يجعلها مؤهلة لاستضافة مؤسسات اتحادية دون أن تكون عبئًا ماليًا. والأهم أنها لم تتحول إلى ساحة صراع دائم، وهو عامل حاسم لأي عاصمة تبحث عن الاستقرار.


الطرح الاتحادي لا يعني نقل كل مؤسسات الدولة إلى حضرموت، بل يقوم على توزيع وطني متوازن للأدوار: صنعاء تبقى عاصمة تاريخية وثقافية، وعدن مركزًا اقتصاديًا وتجاريًا وبحريًا، وتعز حاضنة ثقافية وتعليمية، بينما تضطلع حضرموت بدور إداري اتحادي ينظم العلاقة بين الأقاليم ويستضيف مؤسسات السيادة العليا.


بهذا التوزيع، ينتهي منطق “المدينة الواحدة التي تحكم الجميع”، ويبدأ منطق الشراكة الوطنية، حيث تصبح العاصمة أداة تنسيق لا مركز هيمنة. هذا النموذج ينسجم مع تجارب اتحادية ناجحة، فصلت بين الرمز التاريخي والوظيفة الإدارية وأسهمت في تخفيف التوترات الداخلية.


في النهاية، النقاش لا يدور حول مدينة بعينها، بل حول مفهوم الدولة نفسه. فالعاصمة في الدول الخارجة من النزاعات ليست حيث كُتب الاسم في الدستور، بل حيث يمكن للإدارة أن تعمل، وللمؤسسات أن تستقر، وللسياسة أن تُمارس دون سلاح. وربما يكون هذا التحول هو الفرصة الأخيرة لإنقاذ الدولة اليمنية.