آخر تحديث :الإثنين-23 مارس 2026-02:46م

ملح الحديدة وحكومة الزنداني…قهر المواطن بين الفساد والخذلان

السبت - 07 فبراير 2026 - الساعة 04:31 م
مازن الشعبي

بقلم: مازن الشعبي
- ارشيف الكاتب


ثلاثة أشياء تكاد ترفع الضغط من أول نظرة: ملح الحديدة الخالي من اليود، وبسباس الحيمة، ومشهد تشكيل حكومة الزنداني… والأخيرة، أشدّها سمًا، لا على الجسد فحسب، بل على الروح.

المواطنون الغلابة… أولئك الذين باتوا رموزًا للمعاناة اليومية: بائسون وبائسات، ثكالى ومترملات، أطفال رضّع يمدون أيديهم لرغيفٍ لا يملأ بطونهم… مشهدهم يلاحقنا في كل لحظة، ويقض مضاجعنا قبل أن نأكل، وأثناء الطعام، وبعده. خبر تشكيل الحكومة صار وصفة قهر متكررة، نتجرعها كل يوم كسمٍ لا شفاء منه.

في المقابل، تسكن الحكومة أجنحتها الدافئة في فنادق الرياض، متقنة فنون التجاهل، ومتحكمة في مصير مدننا بقطع أوكسجين الحياة عن مناطق دفعت ثمن صراعات حيتان الفساد، داخليًا وخارجيًا. لا ماء الخجل يُجدي شيئًا، ولا شعور بالأسى يتسلل إلى وجوه الوزراء، فهم منشغلون بما يملأ حساباتهم بالدولار، لا بما يملأ بطون الأطفال.

هموم المواطن في آخر سلم أولوياتهم، فالحكومة، المكوّنة من خمسة وثلاثين وزيرًا، أعيد تدوير بعضهم، وكأن الوطن حقل تجارب لا نهاية له، يُعاد اختباره مرة بعد مرة.

وعلى مدى السنوات الماضية، شاهدنا صورًا دامية لعجزة يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، وعيونهم مثقلة بالبؤس. نسأل: هل هؤلاء من لحم ودم؟ أم آلات آلية بلا قلب ولا ضمير؟ لقد جُرّبوا وفشلوا في كثير من مرافق الدولة… لكن الوطن ما زال يُجرب.

في مختلف المحافظات، وخصوصًا عدن، لا مكان للصدفة؛ تركيع مرسوم يُطبّقه أدوات الفساد، ويغذّيه المطبّلون، لتصل إلى حيتان تقذف كرة اللهب في مرمى المواطن الغلبان، الذي دفع بأبنائه في ميادين الفداء، ليعود ويجد العقوق بدل الوفاء.

هناك من يتاجر بمعاناة الناس شمالًا وجنوبًا، وهناك من يسعى لحشر المواطن في عنق زجاجة الذل، وهناك من يسرق قوت اليتيم والفقير بلا خوف… كلهم اجتمعوا على هدف واحد: حرمان المواطن من نعيم الحياة، ودفعه إلى الجحيم.

نعيش اليوم تجويعًا ممسرحًا، أزمة مفتعلة، وجرجرة مبرمجة، هدفها إشغال الناس بلقمة العيش عن السؤال الكبير: من سرق الوطن؟

كيف لحكومة مغتربة تعيش في نعيم الدولار أن تشعر بجوع من ينام على لحم بطنه؟ كيف نرجو خيرًا من وجوه معتّقة فُرضت علينا وقطعت الخميرة من بيوت الناس؟

لو اختير المسؤولون من قلب الشارع، من عمق المعاناة، لقاسمونا الوجع، ولعملوا معنا في ميدان المكابدة اليومية. أما أن تكون مسؤولًا عن شعب وأنت بعيد عن واقعه، فهذا دور يمكن لأي نزيل فندق أن يؤديه.

قالت امرأة مسنّة: “لن نركع لمسمار جحا، ولن نتسول الرحمة، ولن نتنازل عن حقنا في العيش بكرامة.” كلماتها تختصر حكاية عدن:

تختلف الحيتان على الثروة… فيُعاقَب المواطن، تتصارع التماسيح على الصفقات… فتُجفَّف مصادر الحياة، وتغرق المدينة الجميلة في بحيرة النتانة السياسية.

اللهم امنحنا صبر أيوب، وأنزل علينا مائدة الرحمة، ونلوذ بك من مكر الماكرين، ومن شياطين حكومة تحرق أجسادنا بحثًا عن دفء لغيرنا. لا نسألك رد القضاء، بل نسألك اللطف بنا، يا قوي، يا جبار.