دلف باب سكنه وهو مجهد، ولكنه كان مزهواً فرحاً باستقامته. عاد من غير شعور يتحسس ظهره، باحثاً عن تلك الحدبة التي نمت وكبرت على مدى أكثر من عشرين سنة، حتى أمست جزءاً من مظهره وتركيبة جسده الذي عافته "بنات حواء"، وتقزز منه رواد مقاهي "شرج باسالم"، رغم ما تدره عليه من بعض المال، خصوصاً من "سالمين والريمي". تساءل في نفسه: ماذا سيقولان له غداً وهما على "فطورهما"؟
وفي لحظة استغراق في حالته، نظر إلى رثاثة ملبسه وقال يحدث نفسه: "ليتني طلبت الكساء! ولكن يا الله.. سالمين والريمي ما با يقصرون!"، وأردف: "ولكن بعدما يحلق لي عبده الإبي". ثم نظر إلى غرفته وبقايا الطعام وما فيها من فرش وأدوات وقال: "خلها لحسينه ما بتقصر، ما قصرت وأنا في حالتي السابقة، فكيف وأنا بهذا المظهر الذي سيغري من هي أصغر منها سناً!". وهنا سمع أذان الفجر وهو يردد "الصلاة خير من النوم"، فتوجه إلى المسجد وهو يتساءل: "هل سيعرفونني؟".
حاول أن يجد "مصنفاً" يليق بمظهره أمام رواد صلاة الفجر، فلم يجد غير ما هو عليه، فردد بينه وبين نفسه: "الآن أسبق الجميع وأغتسل قبل أن يتوافد المصلون". بحث عن عصاه ثم تذكر أنه تركها في "نبيخة"، وخرج مسرعاً بخطوات قوية وجسد مستقيم ينضح حيوية. ولكنه وجد أن عملية الاغتسال صعبة أمام من سبقوه إلى دورات مياه المسجد، فقال: "بعد الحلاقة والمرور على سالمين والريمي".
غادر دورات المياه وهو يصلح عمامته المهترئة على رأسه بعد استخدامها في تجفيف وجهه ومرفقيه، وهنا وقف أمامه "مسعود"، الذي غالباً ما كان يطلب منه الابتعاد عن طاولته في المقهى بعنف في بعض الأحيان، وهو يردد: "محيسن أم غيره؟". رد عليه: "أنا محسن يا مسيعود"، وأعطاه ظهره داخلاً إلى المسجد، بينما بقي مسعود في حالة ذهول يردد: "مش معقول.. غير معقول! ولكن سأقعد له بعد الصلاة".
انقضت الصلاة.. خرج محسن وإذا بمسعود يقف أمامه في حالة من الفضول والذهول ليقول له: "طيب ما اختلفنا بين محسن ومحيسن، فقط قل لي متى عملت العملية وبهذه السرعة؟".
رد عليه محسن: "الوعد العصر في القهوة، وبتطلب لي الشاي وقطعتي باخمري".
قال مسعود: "الباخمري الآن الصباح، تعال الآن".
رد محسن (الأحدب سابقاً): "لا، أنا مشغول بمن هم أهم منك، ومن متى اهتممت بي؟ الوعد العصر".
ومشى إلى شارع السوق بخطوات ثابتة، بينما بقي مسعود في حالة من الذهول والتساؤلات عن هذه المعجزة التي حدثت بين ليلة وضحاها، وكيف تحول "محيسن" إلى "محسن"؟
سار مستقيم الجسد يدق بقدميه الأرض، ليقنع نفسه أنه لم يعد "محيسن الأحدب". كانت الدكاكين لا تزال مقفلة، وحتى الحلاق "عبده الإبي" ما زال في منزله نائماً أو يجهز أطفاله للذهاب إلى المدرسة، بينما أمهم في المطبخ الضيق تعد لهم "سندوتشات" الفسحة المدرسية. ردد بغضب: "لعنة الله على عبده"، وجلس على الرصيف في حيرة: هل يعود لسكنه أم يذهب إلى المقهى؟
قرر الذهاب إلى المقهى ليشاهد مسعود وهو يتبسم له، ليبادره بـ "أعوذ بالله من غضبه". لم يغضب مسعود، بل دعاه إلى طاولته ونادى عامل المقهى قائلاً: "كأس شاي بالحليب وأربع باخمري". أحضر العامل الطلب، وعندما شاهد "محيسن" اهتزت الصينية في يده وتناثر الشاي الساخن على حجر مسعود، بينما العامل في حالة صدمة.
صاح فيه مسعود: "آه.. ما تفتح وتنتبه؟". لم يرد العامل وتسمر في وقفته قائلاً: "أنا في حلم أم علم؟ البارحة كنت عندي!".
رد محسن: "نعم، كنت محيسن وانتبه اليوم أنا محسن.. فقط أحضر الشاي ولا تقصر بالحليب". ثم التفت إلى مسعود وقال: "خيراً.. إيش عندك؟".
رد مسعود: "عندي الذي تسبب في كب (معشرة) العامل على حجري! تقدر تقول لي كيف حصل ذلك ومن هو الدكتور؟".
رد محسن: "أنت رجل فاسد وكل شيء عندك بثمن، فكم تدفع مقابل ما سأخبرك به؟".
قال مسعود: "لن أدفع شيئاً".
محسن: "ستدفع وتعلمني كيف تشتغل مع إدارة العقار ومن هم المرتشون في المحافظة. أنا مثلك أصلي جماعة، وكنت أحدباً ما أحد يعبرني، واليوم اهتمامك هذا بي دليل على أنني سأنجح. موافق؟ أعطني الآن مائة ألف ريال". ثم رشف ما تبقى من كأس الشاي ونهض قائلاً: "عبده الحلاق فتح وأريد أن أحلق".
استبقاه مسعود مساوماً إياه: "عشرة آلاف". فرد محسن وهو يستعيد ذكرياته: "لا أقبل بغير المائة، ربما ستكسب أنت الملايين إذا ما أخبرتك بالسر".
مسعود: "ليس لدي الآن المبلغ".
محسن: "لديك وفي جيبك، أعرفك.. صرف هذا الكلام على غيري".
استسلم مسعود وطلب شاي آخر، ومد يده إلى أحد جيوب سارته الأربعة وأخرج ربطة بمائة ألف ريال، والتفت إلى محسن وقال: "أنا استمع إليك". تنحنح محسن وأخذ يشرح له ما حدث معه من المقهى إلى "نبيخة"، ودخوله على الجن وهم في عرسهم يرددون "خميسة خميسة"، ودعوتهم له لإكمال بيت الشعر حتى يستقيم اللحن بقوله: "خميسة خميسة يا ليلة الجمعة الانيس". غنوها وقرروا مكافأته بأمنيتين، فتمنى إزالة الحدبة واستقامة الظهر.
سأله مسعود: "لماذا لم تطلب مالاً كثيراً؟".
أجاب محسن: "هي أمنيتان فقط، وأنا كان همي تقوس ظهري وحدبتي، والرزق ملحوق عليه". وهز ربطة الريالات وقال: "هذا أول الغيث. والآن، هل فتح سالمين والريمي؟ وعساهم ما فتحوا، السوق قدامي".
سار مستقيم الظهر وهو يتحسس مخبأه متجهاً إلى الحلاق "عبده الإبي"، طالباً منه الحلاقة وتقشير الوجه. عرفه الحلاق وقال: "جني وأم الجن!". رد عليه: "لا تسب الجن، وشوف شغلك، هذه المرة بفلوس يا عبده". بعد الحلاقة مر على سالمين وهو يشير إلى جيبه. قال سالمين: "من؟ أنا في حلم أم علم؟ هذه الدنيا ترويك العجب!".
قال محسن: "اسمع يا عم سالمين، إذا أراد الله أمراً سهل له الأسباب". وأخذ يقلب في المصانف طالباً "صنع الحباني" والقمصان والملابس الداخلية، ومن كل ملبس ثلاثة، ثم دفع القيمة ومشى بين المحلات مسلماً على هذا ومتحدثاً إلى آخر، حتى وصل سكنه، ليجد "حسينة" التي ما إن شاهدته حتى سقطت على ظهرها مغمى عليها. رشها بالماء وقال: "لا يهمك هذا أنا، وهذه عشرة آلاف والقادم أكثر، أنا سأغتسل وأريدك أن تدعكي لي ظهري.
مساء اليوم الثاني.. سار إلى المقهى بمظهره الجديد شكلاً وملبساً، وإذا بخصمه مسعود قد تغير حاله واكتسى الهم مظهره، فقال له محسن: "إيش الذي حصل؟". بكى مسعود وقال: "لقيتهم يغنون (خميسة خميسة يا ليلة الجمعة الانيسة)، فقلت جاء الرزق ودخلت المدارة، وشاهدت شيخهم ينظر لي بعيون كالجمر ويطلب مني قصيدة، فقلت: (بعد الجمعة سبيته)، وتوقفت أردد (أحد واثنينه).. ما اشتلت! وهنا قال الشيخ: قصفوا ظهره وحملوه حدبة صاحبه".
ضحك محسن ضحكة مجلجلة وقال: "لا بد لشرج باسالم من أحدب!".