ما حدث في مديرية المنصورة بعدن، من منع لقاء تشاوري سلمي دعت إليه مكونات جنوبية دعمًا للحوار الجنوبي المزمع انعقاده في الرياض، يعبر عن صراع عميق بين منطق الدولة ومنطق الوصاية، وبين ثقافة الحوار وثقافة الإقصاء.
أن تُغلق قاعة محجوزة رسميًا، وتُدفع الأطقم العسكرية لمنع لقاء فكري تشاوري، دون أي سند قانوني أو قرار معلن، فهذا لا يعبّر عن قوة سلطة، بل عن خوفها. والخوف هنا ليس أمنيًا، بل سياسي بامتياز. الخوف من الحوار حين يكون مفتوحًا، ومن التوافق حين لا يُدار بالريموت، ومن الجنوب حين يتكلم بأكثر من صوت.
المجلس الانتقالي، عبر أذرعه المنخرطة في السلطة المحلية بعدن، لا يعارض هذا اللقاء لأنه غير قانوني، بل لأنه يكسر احتكار التمثيل، ويفتح بابًا لجنوب متعدد، لا جنوب مصادَر. فالحوار الجنوبي–الجنوبي، إن كان حرًا وشاملًا، ينسف الفكرة التي بُني عليها مشروع الإقصاء: أن الجنوب رأي واحد، وصوت واحد، وممثل واحد.
وهنا مكمن الأزمة.
ما يجري في عدن اليوم ليس دفاعًا عن أمن المدينة، بل محاولة لإدارة السياسة بعقلية الميليشيا: من ليس معنا فهو ضدنا، ومن لا يتكلم بلغتنا يجب إسكات صوته.
وهذا السلوك لا يضر خصوم المجلس الانتقالي فقط، بل يضر عدن نفسها، ويعيدها إلى مربع الفوضى، ويقوّض أي حديث جاد عن الاستقرار أو الدولة.
الأخطر أن هذه الممارسات تأتي في لحظة سياسية حساسة، حيث فتحت رئاسة مجلس القيادة الرئاسي، بدعم ورعاية واضحة من المملكة العربية السعودية، نافذة حقيقية للحوار لجنوب اليمن وشرقه، دون شروط مسبقة، ودون وصاية، مع تعهد صريح باحترام مخرجاته باعتبارها تعبيرًا عن الإرادة الشعبية. هذه ليست فرصة شكلية، بل لحظة نادرة في تاريخ جنوب وشرق اليمن، لا تتكرر كثيرًا.
المملكة العربية السعودية لا ترعى هذا الحوار بدافع المجاملة، بل باعتباره جزءًا من معادلة أوسع: تثبيت الاستقرار في المحافظات الجنوبية والشرقية، وتعزيز السلطات المحلية، وتحسين الخدمات وصرف المرتبات، وبناء جبهة وطنية متماسكة، والاستعداد لمعركة استعادة الدولة من الانقلاب الحوثي. وأي طرف يعرقل هذا المسار، سواء بالقمع أو الإقصاء، لا يعرقل خصومه فحسب، بل يعرقل مشروع استعادة الدولة نفسه.
من هنا، فإن تصرفات المجلس الانتقالي لا يمكن قراءتها إلا كعبء سياسي وأمني، لا كرافعة استقرار. فهي تزرع الانقسام بدل التوافق، وتستبدل الحوار بالمنع، وتفتح جبهات داخلية في وقت تحتاج فيه البلاد إلى رصّ الصفوف لا تفكيكها.
إن الحوار الجنوبي ليس استجابة لرغية النخب، ولا مناورة إعلامية، بل ضرورة تاريخية لتجاوز تراكمات نصف قرن من الصراعات، منذ 1967، مرورًا بأزمات ما قبل الوحدة وبعدها، وحرب 1994، وانسداد أفق الدولة قبل 2011، وانتقال السلطة في ٢٩١٢م، ثم الانقلاب الحوثي في ٢٠١٤م، وما تلاه من تشظٍ سياسي واجتماعي.
وكل محاولة لفرض حلول مسبقة، أو وصاية فكرية، هي إعادة إنتاج للفشل الذي دفع الجنوب والشرق ثمنه غاليًا.
اليوم، يقف الجنوبيون أمام مفترق طرق واضح:
إما حوار مفتوح يفضي إلى توافق، ودولة، واستقرار،
أو استمرار في عقلية الإقصاء التي لم تنتج إلا الصراع، والانقسام، وضياع الفرص.
عدن لا تُبنى بالقوة، ولا تُدار بالأطقم المسلحة، ولا تُستعاد مكانتها العالمية بمنع القاعات وإغلاق الأفواه. عدن تُبنى حين تكون مدينة دولة، لا ساحة نفوذ، وحين يُسمع فيها كل صوت حر، لا صوت واحد مفروض.
والجنوب، بكل تاريخه وتضحياته، أكبر من أن يُختزل في فصيل، أو يُصادر باسم تمثيل زائف.
من يخاف من الحوار، يخاف من الناس.
ومن يخاف من الناس، لا يمكن أن يقودهم إلى مستقبل آمن.
—-------------
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الاربعاء ٤ فبراير ٢٠٢٦م