/حسين باهميل
تُعد مناطق الواحدي من أعرق الكيانات الجغرافية والتاريخية في جنوب الجزيرة العربية، إذ يمتد حضورها السياسي والاجتماعي لأكثر من ثمانية قرون، في سياق تاريخي متصل بدولة حضرموت الأولى والثانية، وبمنظومة التجارة الدولية القديمة التي ربطت جنوب الجزيرة بالعالم عبر طرق الحرير والبخور.
لم تكن مناطق الواحدي مجرد نطاق جغرافي، بل شكّلت مجالًا حضاريًا متكاملًا، تفاعل فيه البحر مع الصحراء، والموانئ مع القوافل، والدولة مع المجتمع. فقد لعبت موانئ قَناء وبير علي وبالحاف دورًا محوريًا في التجارة البحرية، فيما مثّلت طرق القوافل البرية شرايين اقتصادية امتدت عبر الربع الخالي وصولًا إلى عمق الجزيرة العربية، بما فيها المناطق التي تُعرف اليوم بأراضي المملكة العربية السعودية.
ومن حيث الامتداد الجغرافي، اتسمت مناطق الواحدي باتساع استثنائي منحها وزنًا سياسيًا واقتصاديًا مؤثرًا. فعلى الساحل، يمتد نفوذ الواحدي من ساحل بروم شرقًا حتى ساحل أحور غربًا، بساحل متصل يزيد طوله عن 350 كيلومترًا، وهو من أطول السواحل التاريخية المتصلة في جنوب الجزيرة العربية. أما الحدود البرية، فقد جاورت مناطق الواحدي شرقًا السلطنة القعيطية، وغربًا سلطنة العوالق السفلى في أحور، وشمالًا غربًا العوالق العليا وإمارة بيحان، فيما امتدت شمالًا في عمق الجزيرة العربية حتى تخوم المملكة، في تداخل جغرافي وقبلي سابق لحدود الدولة الحديثة.
هذا الاتساع الجغرافي وضع مناطق الواحدي في قلب توازنات سياسية مع السلطنات المجاورة، مثل القعيطي والكثيري في حضرموت، والعوالق العليا والسفلى، وولاية بيحان، حيث حكمت العلاقة قواعد النفوذ المحلي، والحدود الاجتماعية، والمصالح الاقتصادية المشتركة، في نموذج سياسي تقليدي حافظ على قدر من الاستقرار النسبي لفترات طويلة.
وعلى المستوى الاجتماعي والثقافي، تميز مجتمع الواحدي بتعدد مكوناته وتنوعه الثقافي، وهو تنوع تراكم عبر قرون من التفاعل التجاري والعلمي والديني. فقد أنتجت هذه المناطق أجيالًا من العلماء وأهل المعرفة، وأسهمت في ترسيخ منظومة من القيم الاجتماعية القائمة على التوازن، والاحترام المتبادل، والارتباط بالأرض، وهو ما منح المجتمع قدرة عالية على الصمود أمام التحولات السياسية الكبرى.
ولا يقتصر ثقل مناطق الواحدي على بعدها التاريخي فحسب، بل يمتد إلى حاضرها المعاصر بما تحمله من مقومات استراتيجية واضحة. إذ تشكل مناطق الواحدي اليوم المجال الجغرافي لقرابة ثماني مديريات، تمثل ما يزيد عن 70٪ من مساحة محافظة شبوة، وتضم كثافة سكانية معتبرة، إضافة إلى ثروات طبيعية متنوعة، وموقع جغرافي يجمع بين الساحل الطويل، والسهول الخصبة، والجبال الراسخة، وهو تنوع جغرافي نادر يمنحها إمكانات اقتصادية وتنموية كبيرة.
إن توصيف مناطق الواحدي كـ«هامش» هو توصيف يتناقض مع الوقائع التاريخية والجغرافية؛ فالواحدي لم يكن يومًا طرفًا هامشيًا، بل شكّل عمقًا ضاربًا في جذور التاريخ، رسخته الجبال بثباتها، وحملته السهول بإنتاجها، وحمته السواحل بانفتاحها على العالم. وهو عمق لا يزال حاضرًا اليوم، بما يمتلكه من عناصر القوة والمساحة والإنسان، وبما يؤهله للعب دور فاعل في أي تصور سياسي أو إداري عادل لمستقبل الجنوب.