آخر تحديث :السبت-14 مارس 2026-12:43م

يفشلُ السياسيون عندما يلبسون ثوبَ التنمّر

الجمعة - 30 يناير 2026 - الساعة 05:34 م
محمد صالح مجمبل

بقلم: محمد صالح مجمبل
- ارشيف الكاتب



يفشل السياسي حين يعجز عن إدارة الخلاف بعقل الدولة فيلجأ إلى خطاب الكراهية والتنمر ظنًا منه أن الشحن العاطفي والتصنيف المناطقي يمكن أن يكون بديلًا عن الرؤية والحجة.


وللأسف الشديد سقطت كثير من النخب السياسية ومعها أدواتها الإعلامية في هذا الفخ حين حولت القضية الجنوبية من خلاف سياسي مشروع مع نخب حاكمة في الشمال إلى حالة من الشحن المناطقي والتنمر الجماعي على أبناء المحافظات الشمالية باستخدام ألقاب مزرية وخطاب إقصائي يفتقر للأخلاق قبل أن يفتقر للحكمة.


هذا الانزلاق الخطير لم يكن مجرد خطأ عابر بل أصاب سمعة القضية الجنوبية في مقتل وجردها من كثير من عدالتها الأخلاقية ومكانتها السياسية.


فالقضية التي تقدم للعالم بلغة الكراهية لا يمكن أن تقنع أحدًا بعدالتها مهما كانت مظالمها حقيقية.


والتنمر على أساس الهوية الجغرافية لا يختلف في جوهره عن الممارسات التي قامت ضدها تلك القضية أصلًا.


إن تعميم الخصومة وتحويلها من صراع مع أنظمة ونخب سياسية إلى عداء مع المواطن البسيط هو فشل أخلاقي وسياسي في آن واحد.

فالمواطن في الشمال كما في الجنوب ليس صانع قرار ولا شريكا في الفساد أو الإقصاء بل ضحية لمنظومات حكم أرهقته بالحروب والفقر والتهميش.


من الخطأ الفادح بل من الخطيئة السياسية الخلط بين الخصم السياسي والإنسان العادي.


فالصراع الحقيقي يجب أن يبقى موجها نحو السياسات الظالمة والنخب الفاسدة لا نحو الناس الذين لا ذنب لهم سوى أنهم ولدوا في جغرافيا مختلفة.


ان القضايا العادلة لا تنتصر بالتحريض بل بالعدل ولا تبنى بالكراهية بل بالوعي.


إن أخطر ما يواجه أي قضية هو أن تفقد بوصلتها الأخلاقية.

وحين يتحول السياسي إلى متنمر فإنه لا يخسر احترام خصومه فقط بل يخسر احترام قضيته وأنصاره أيضًا.


ولذلك فإن أول طريق التصحيح يبدأ بالفصل الواضح بين الخلاف السياسي الذي هو حق مشروع وبين الكرامة الإنسانية التي لا يجوز المساس بها تحت أي مبرر.


فالقضية الجنوبية وكل قضية عادلة لا تحتاج إلى شتائم ولا ألقاب للناس بل إلى خطاب مسؤول يعلو فوق المناطقية ويعيد الاعتبار للإنسان بوصفه إنسانًا… لا شماليًا ولا جنوبيًا


محمد صالح مجمبل