يُعدّ قرار وزير الدولة محافظ العاصمة عدن، الأستاذ عبدالرحمن شيخ، القاضي بمنع تعاطي القات والشَّمّة والسجائر والتمبل في جميع الدواوين والمؤسسات والمرافق الحكومية خلال ساعات الدوام الرسمي، قرارًا صائبًا وشجاعًا، يعكس حرصًا واضحًا على هيبة الدولة ومكانة مؤسساتها، باعتبارها الواجهة الحقيقية للنظام والقانون، ومظهرًا من مظاهر الانضباط والاحترام الواجب توافره في المرافق العامة.
فليس من اللائق، ولا المقبول، أن تتحول المؤسسات الحكومية إلى مجالس لتعاطي القات، هذه الآفة التي أثقلت كاهل المجتمع، وأضحت سببًا مباشرًا في تعطيل مصالح الناس، وإهدار الوقت، واستنزاف المال، فضلًا عن آثارها السلبية العميقة على السلوك العام والإنتاجية والانضباط الوظيفي. إن استمرار هذه الممارسات داخل المرافق الرسمية يُسيء إلى صورة الدولة، ويُفرغ العمل المؤسسي من قيمته، ويعكس مظهرًا لا يليق بعاصمة يُفترض أن تكون نموذجًا للنظام والتحضّر.
وإذا كان هذا القرار خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، فإن الأفضل أن يمتدّ منع تعاطي القات في المؤسسات الحكومية ليشمل ما بعد أوقات الدوام الرسمي أيضًا، حتى لا تتحول تلك المرافق إلى أماكن مستباحة لهذه الظاهرة في غير أوقات العمل. كما نتطلع إلى أن يشمل هذا التوجّه جنود المؤسستين الأمنية والعسكرية أثناء أداء واجبهم الرسمي وارتدائهم للزي العسكري، إذ إن مشاهد تعاطي القات في مواقع العمل، وباللباس العسكري، بما يصاحبها من مناظر منفّرة خلال مضغ أوراق القات وانتفاخ الأوداج، بما يسيء إلى هيبة الجندي والمؤسسة معًا، ويُضعف من صورة الانضباط والجاهزية التي يُفترض أن يتحلّى بها رجل الأمن والعسكر.
ومن الخطوات المكمّلة والضرورية لهذا القرار، العمل على إبعاد أسواق القات عن الأحياء السكنية، أسوةً بما قامت به محافظة حضرموت في عاصمتها المكلا، حيث جرى نقل أسواق القات إلى خارج المدينة وضواحيها، وهو إجراء حضاري أسهم في تقليل الإقبال على القات، والحد من انتشاره ، وحماية الأحياء من آثاره السلبية. وقد دعونا إلى مثل هذه الخطوة مرارًا، لما لها من أثر مباشر في تقليص هذه الظاهرة والحد من تطبيعها في الحياة اليومية.
وليس ببعيد عن الذاكرة أن تعاطي القات قبل الوحدة الفاشلة كان محدودًا بيومين في الأسبوع، ولم يكن ظاهرة يومية صباحًا ومساءً كما هو الحال اليوم، حيث باتت أسواق القات مفتوحة ليلًا ونهارًا، في وقت تُغلق فيه المطاعم ومحال الخدمات، في مشهد مختلّ يعكس اختلالًا في الأولويات ونمط الحياة.
إننا نأمل أن تكون هذه الإجراءات بداية لمسار تدريجي ومدروس للتخلص من أضرار القات، وأن تتحول العاصمة عدن إلى نموذج يُحتذى به في الانضباط، واحترام الوقت، وصون المظهر العام، ومعالجة الظواهر السلبية بروح مسؤولة وشجاعة.
الشكر والتقدير لوزير الدولة، محافظ العاصمة عدن، على هذا القرار الهام والمنتظر، آملين أن تُستكمل هذه الخطوة بإجراءات داعمة تُسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا، ومؤسسات أكثر هيبة، ومدينة أكثر حضارة.
د.علي صالح الخلاقي
28يناير2026م