في شمال اليمن، يصبح معنى عبارة "المعرفة أسيرة أدواتها" أكثر وضوحًا تحت سلطة الحوثي الاستبدادية. فالأدوات التي ينتج بها الناس معرفتهم – التعليم، الإعلام، المؤسسات الثقافية، والبحث الاجتماعي – ليست محايدة، بل مشوّهة لتخدم أجندة الجماعة. الفكر الحر والفهم النقدي أصبحا رهينَ الرقابة، والشعارات السياسية، والمؤسسات التي تحدد ما يُسمح معرفته وما يُحجب.
في ظل هذا الاستبداد، يُختزل الواقع إلى سرديات ضيقة تحرم المواطنين من الوصول إلى الحقائق الكاملة حول حياتهم، تاريخهم، وهويتهم الثقافية. المناهج الدراسية والإعلام الموجّه يختزل الإنسان اليمني إلى أداة سياسية، ويحوّل المعرفة إلى وسيلة للسيطرة، لا للفهم. حتى الدراسات الاجتماعية والاقتصادية تُستخدم كثيرًا لدعم الرواية الرسمية، بدل أن تكشف الواقع وتعالج الأزمات.
الأمر لا يقتصر على المعرفة العلمية أو الاجتماعية، بل يمتد إلى الدين والهوية. بعض الشباب أصبحوا ينظرون إلى الدين الإسلامي من زاوية مشوهة، كما تفرضها الجماعة، مما يحرف صورة الدين ويستثمره كأداة للسيطرة الفكرية، بدل أن يكون مصدر هداية ومعرفة حقيقية. الجماعة أيضًا تعيد صياغة تاريخ اليمن وهويته الثقافية بما يخدم مشروعها، محوّةً أو محوّرةً التجارب والذاكرة الجماعية للأجيال، ليصبح الشباب منفصلين عن جذورهم وتاريخهم، غارقين في سرديات ليست لهم، بل لصالح أيديولوجيا أحادية.
تحت سلطة الحوثي، أصبح كثير من اليمنيين، خصوصًا الشباب، تابعين، محرومين من الفعل والقرار، ومقيدين في القدرة على التعبير عن همومهم ومعاناتهم. كل محاولة لإظهار "صوت الشعب" أو تفسير معاناته تتحول إلى أداة للسيطرة؛ فالحديث باسم الناس لا يعكس واقعهم، بل يعيد إنتاج خطاب الجماعة الاستبدادي. وحتى حين يتكلم الشباب أو المواطنون، لا يُسمع صوتهم الحقيقي، وكل كلمة تُحرف لتتناسب مع مصالح الجماعة.
النساء في اليمن تحت سيطرة الحوثي يعانين اضطهادًا مزدوجًا: داخليًا من الجماعة نفسها، وخارجيًا من الهياكل التي تكرّس المركزية والاستبداد. هذا الوضع يجعلهن الأكثر حرمانًا من التعبير والمشاركة في اتخاذ القرار، ويؤكد أن السلطة الحوثية لا تعترف إلا بصوتها، محوّلة المعرفة والحقائق إلى أدوات للهيمنة والتوجيه.
التحرر من هذه القيود يتطلب تحرير أدوات المعرفة نفسها: تعليم نقدي مستقل، بحث حرّ، منصات مفتوحة للنقاش، ومناهج تعكس التجربة الإنسانية المعقدة، لا مجرد الفكر الموجّه. لا وعي حقيقي يمكن أن يتحقق إذا ظل الإنسان أسير أدوات صاغها الاستبداد لتقييد الفكر والمعرفة.
اليمن اليوم يحتاج إلى ثورة معرفية شاملة، ليست فقط لفهم الواقع، بل لبناء مقاومة ذهنية ضد الهيمنة الفكرية والسياسية، واستعادة الهوية التاريخية والثقافية التي حاولت الجماعة طمسها. المعرفة الحقيقية هي التي تحرر العقل قبل تحرير الأرض، وتُمكّن الأجيال من مساءلة السلطة، وامتلاك القدرة على صياغة واقعهم بحرية، بعيدًا عن خطاب الأيديولوجيا الموجه، وأدوات السيطرة المستمرة.