آخر تحديث :الأربعاء-28 يناير 2026-02:36م

حرب المصالح في اليمن… قراءة واقعية في دور السعودية والإمارات وتعقيدات المشهد السياسي

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 08:55 ص
عارف ناجي علي

بقلم: عارف ناجي علي
- ارشيف الكاتب


منذ اندلاع الحرب في اليمن، لم يعد من الممكن قراءة المشهد السياسي بمنطق الاصطفاف الحاد أو ثنائية التخوين والولاء، فالحروب حين تطول تتحول من معارك استعادة الدولة إلى ساحات مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، فيما يظل الشعب اليمني وحده من يدفع الثمن الأكبر من أمنه ومعيشته ومستقبله.

واليوم، ومع تصاعد الحديث عن الحوار الجنوبي–الجنوبي المدعوم من المملكة العربية السعودية، وما رافقه من دعوات سياسية حساسة، شملت المطالبة بحل المجلس الانتقالي الجنوبي، والدعوة إلى خروج الأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة من اليمن، وإحالة نائب رئيس المجلس الرئاسي اللواء عيدروس الزبيدي إلى النائب العام تحت عنوان الخيانة العظمى !!، وهنا تبرز الحاجة الملحّة للوقوف أمام هذه التطورات بقراءة وطنية حيادية، لا تنطلق من زاوية طرف سياسي واحد، ولا تُدار بعاطفة الخصومة أو المصلحة المؤقتة.


اولا تحرير عدن… حقيقة لا يجوز إنكارها ومن الحقائق الثابتة التي لا يمكن القفز عليها أو إعادة تفسيرها سياسياً، أن تحرير العاصمة عدن وعدد من المحافظات الجنوبية عام 2015 لم يكن ليتحقق لولا تدخل التحالف العربي، وبصورة خاصة الحضور الميداني الفاعل للأشقاء في دولة الإمارات العربية المتحدة، الذين شاركوا بشكل مباشر في المعارك من مطار عدن حتى مدينة التواهي، وقدموا شهداء وجرحى في معركة مفصلية غيرت مسار الحرب في الجنوب.

إن إنكار هذه الحقيقة أو محاولة طمسها تحت أي مبرر سياسي لاحق، لا يخدم الحقيقة ولا يحقق العدالة، بل يفتح الباب أمام مزيد من الانقسام وإعادة كتابة التاريخ وفق المزاج السياسي.

فرصة ما بعد التحرير… نموذج ضائع

وكان من المفترض، عقب تحرير المحافظات الجنوبية، أن تتحول المناطق المحررة إلى نموذج إيجابي للدولة المنشودة، يعكس الفرق بين زمن الحرب وزمن التحرير، من خلال إعادة تشغيل مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، وإعادة إعمار البنية التحتية، وبناء إدارة قادرة على طمأنة المواطن وإقناع الداخل والخارج بأن اليمن قادر على النهوض متى ما توفرت الإرادة.


غير أن الواقع جاء مغايراً للتطلعات فقد اصطدمت المناطق المحررة منذ وقت مبكر بين مطرقة التحالف الذي ظل يدير المشهد الأمني والسياسي وفق حسابات المصالح الاستراتيجية، وسندان النخبة السياسية في الشرعية التي لم تكن راغبة في تقديم نموذج استقرار حقيقي في الجنوب، خشية أن يؤدي ذلك إلى إضعاف مشروع إطالة الحرب في الشمال.


وفي المقابل، قدّم المجلس الانتقالي الجنوبي نموذجاً سلبياً في إدارة المناطق الخاضعة لنفوذه حيث انشغل بتحقيق مصالحه السياسية والتنظيمية أكثر من انشغاله ببناء مؤسسات فاعلة تخدم المواطن فتدهورت الخدمات وتعاظمت الأزمات المعيشية وغابت الرؤية المؤسسية لإدارة مرحلة ما بعد التحرير وقد رافق ذلك وقوع انتهاكات متعددة جرى استغلالها لاحقاً من قبل نخب سياسية في الشمال ليس بدافع إنصاف الضحايا أو حماية الحقوق بل لتوظيفها سياسياً في إطار الصراع وتحويلها إلى أدوات تشويه تُستخدم ضد الجنوب وقضيته بدلاً من معالجة جذورها وأسبابها الحقيقية.


وهكذا ضاعت فرصة تاريخية كان يمكن أن تُقدَّم فيها المحافظات المحررة كنموذج للدولة لا كساحة صراع جديدة وأُهدرت تضحيات جسيمة كان الأولى أن تُترجم إلى استقرار وعدالة وخدمات.


كما لا يجوز إنكار دور التحالف في لحظة التحرير لا يمكن في الوقت ذاته تجاهل أن التحالف العربي كسائر التحالفات في العالم تحكمه مصالح استراتيجية عليا ، فالإمارات لديها حساباتها المرتبطة بالموانئ وخطوط التجارة والجزر والمملكة العربية السعودية لديها اعتبارات ومصالح واضحة تتعلق بأمنها القومي وبحر العرب وحضرموت والمهرة ، وهذه المصالح بحد ذاتها ليست موضع إدانة لكنها تتحول إلى إشكالية كبرى حين تُدار على حساب الدولة اليمنية وحين تُستخدم القوى المحلية كأدوات تنفيذ لا كشركاء حقيقيين في القرار.


ومن هنا، فإن شيطنة الإمارات بمعزل عن بقية أطراف التحالف تُعد قراءة انتقائية، تماماً كما أن تبرئة أي طرف آخر تُعد تضليلاً للرأي العام فالمشهد واحد، وإن اختلفت الأدوات.


إن أخطر ما أفرزته الحرب لم يكن السلاح وحده بل تدوير الفاسدين والفاشلين من حكومة إلى أخرى ومن وزارة إلى وزارة دون محاسبة أو تقييم أداء.


وزراء يُعيّنون من خارج مؤسساتهم وكفاءات تُقصى من داخل الوزارات وحكومات تُدار من الخارج بينما يعيش المواطن انهيار العملة، وتردي الخدمات واتساع رقعة الفقر.


هذه ليست أزمة أشخاص، بل أزمة بنية سياسية كاملة تُدار بعقلية الحرب لا بمنطق الدولة.


ولا يمكن تناول المشهد الجنوبي بإنصاف دون الإقرار بأن المجلس الانتقالي الجنوبي يمثل شريحة من الشارع الجنوبي ويحمل قضية سياسية قائمة لكنه في الوقت ذاته ارتكب أخطاء جسيمة أبرزها:

الإقصاء المنهجي للقوى الوطنية الجنوبية.

تهميش عدن وأبنائها.

إعادة تدوير الوجوه الفاسدة والمتسلقة.

الارتهان للتحالف بدلاً من بناء شراكة وطنية متوازنة.

وما يحدث اليوم من محاولات احتواء أو استقطاب لقياداته بعد أن كانوا بالأمس في موقع المزايدة يؤكد أن الجميع يُستخدم وفق المرحلة ثم يُعاد تموضعه بحسب الحاجة.


إن أي حديث عن سلام أو حوار، جنوبي جنوبي أو يمني يمني، لن ينجح ما لم يكن قائماً على:

الاعتراف الكامل بالحقائق.

رفض منطق التخوين والإقصاء.

إنهاء سياسة تجزئة المسؤولية.


فالقضية اليمنية لا تُحل بتحميل طرف واحد كل الأخطاء، ولا بتبرئة بقية الأطراف، لأن ما يجري هو نتاج منظومة كاملة تشاركت في الفشل.


اليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات ولا إلى إعادة إنتاج الصراع، بل إلى شجاعة الاعتراف بأن الحرب طالت، وأن المصالح طغت، وأن الدولة غائبة، وأن المواطن تُرك وحيداً في مواجهة الجوع والانهيار.


فجميع الأقنعة سقطت، وبقي وجه واحد للحقيقة:

شعب يدفع الثمن ونخب تتصارع وحرب تُدار لا لتُحسم، بل لتستمر.


وحده الوعي الوطني الصادق، والحوار الحقيقي غير الخاضع للوصاية، يمكن أن يعيد لليمن طريقه نحو الدولة، لا نحو مزيد من الخراب طريق سيقف امام كل القضايا المصيرية ومنها القضية الجنوبية وحق شعب الجنوب بتقرير مصيره ضمن مشروع سياسي امن تشارك كل القوى الوطنية شمالا وجنوبا بتحقيقه.