تدخل المحافظات الجنوبية في اليمن مرحلة دقيقة تنذر بمزيد من التعقيد، لا سيما في مدينة عدن، التي ما تزال تعيش حالة من الاحتقان الشعبي المتصاعد عقب التطورات السياسية والأمنية الأخيرة ولا يقتصر هذا الاحتقان على ردود فعل آنية بل يعكس أزمة ثقة عميقة بين الشارع الجنوبي والجهات الفاعلة في المشهد السياسي وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية.
ورغم الخلافات القائمة حول أداء المجلس الانتقالي الجنوبي الذي تم حله فإن واقع الشارع يشير إلى تنامي قاعدته الشعبية بشكل لافت فقد شهدت عدد من المدن الجنوبية، خلال الأسابيع الماضية، تظاهرات جماهيرية واسعة اتسمت بالعفوية والاستمرارية ما يعكس مستوى القناعة الشعبية ويؤكد أن المجلس بصرف النظر عن المواقف المتباينة تجاهه بات يمثل لدى شريحة واسعة من الجنوبيين إطارًا سياسيًا يعبر عن تطلعاتهم في هذه المرحلة رغم ما وُجّه إليه من انتقادات تتعلق بتجاوزات مالية وإدارية.
في المقابل تتزايد القناعة داخل الشارع الجنوبي بأن بعض الشخصيات السياسية المتواجدة في الرياض لم تعد تمثل المزاج الشعبي في الداخل ولا تعكس حقيقة التوازنات القائمة على الأرض هذا الانفصال بين الداخل والخارج يسهم في تعميق الأزمة ويزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية سياسية قابلة للحياة.
وبالنسبة للمملكة العربية السعودية التي باتت تلعب دورًا محوريًا في الملف اليمني فإن تجاهل هذه التحولات الشعبية في الجنوب قد يفضي إلى نتائج عكسية. فإدارة الأزمات عبر القنوات السياسية التقليدية دون الأخذ في الاعتبار ديناميكيات الشارع لم تعد كافية في بيئة تتسم بارتفاع الوعي السياسي وتزايد الحس الجمعي لدى المجتمعات المحلية.
وتثبت التجربة اليمنية وتحديدًا في الجنوب أن أي مسار سياسي لا يستند إلى الإرادة الشعبية محكوم عليه بالفشل فسواء اتفق الفاعلون المحليون أو اختلفوا يبقى الشارع الجنوبي هو صاحب القرار النهائي وأي محاولة لتجاوز هذه الحقيقة لن تؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وعدم الاستقرار.
وعليه فإن الخروج من الأزمة الراهنة يتطلب مقاربة أكثر شمولية وواقعية تقوم على الاعتراف بثقل الشارع الجنوبي والانخراط معه بوصفه عنصرًا فاعلًا لا يمكن تجاوزه، إذا ما أُريد للمحافظات الجنوبية وللمنطقة عمومًا تجنب جولة جديدة من الصراع المفتوح.
وليس ما جرى في اليمن بعيدًا عن ذلك فالتجربة التي أعقبت حوار الأحزاب السياسية في صنعاء عام 2011 وما ترتب عليها من سيطرة الحوثيين على الشمال وتلاشي مؤسسات الدولة حتى اليوم، تمثل مثالًا واضحًا على مخاطر تجاهل الإرادة الشعبية والواقع الميداني.