لم يكن الانتظار الذي أبداه الشارع الجنوبي خلال الأيام الماضية وليد لحظة عاطفية أو اندفاع عابر، بل هو امتداد لمسار طويل من الصبر السياسي والتضحيات. فعيدروس الزبيدي – شئنا أم أبينا – لم يظهر فجأة في المشهد؛ بل يعود حضوره إلى تسعينيات القرن الماضي، حين كان في صفوف المقاومة ضد نظام علي عبدالله صالح، وصدر بحقه حكم بالإعدام بسبب مواقفه. تلك محطة لا يمكن تجاوزها عند قراءة المشهد الراهن.
وعندما اجتاح الحوثيون المحافظات الشمالية قادمين من مران، ووصلوا إلى تخوم الجنوب، كانت الضالع و يافع – ومعها بقية المناطق الجنوبية – نموذجًا في المواجهة والصمود. لم تكن وحدها في الميدان، لكنها مثلت رمزًا مبكرًا للمقاومة، وقد تشكلت في تلك المرحلة نواة لقوات جنوبية منظمة لعبت لاحقًا دورًا محوريًا في محاربة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة، وأسهمت في تثبيت الأمن في عدة محافظات.
غير أن المشهد السياسي اللاحق شهد تحولات معقدة. فبدلاً من البناء على ما تحقق ميدانيًا، برزت اتهامات ومحاولات لتشويه المشروع السياسي الجنوبي، تارة عبر اتهامات بالتخوين، وتارة أخرى عبر إثارة ملفات مثل “التخابر” أو تحميل شخصي دون غيره مسؤولية قرارات عسكرية اتخذت في سياق تحالفات أوسع. هذه الأساليب عمّقت الانقسام بدل أن تعالجه.
القضية الجوهرية اليوم تتمثل في طبيعة “الحوار الجنوبي–الجنوبي” المطروح. فالحوار – من حيث المبدأ – قيمة إيجابية وأداة حضارية لإدارة الخلاف. لكن أي حوار يفقد معناه إن لم يكن واضح الأهداف والسقف السياسي. المجلس الانتقالي الجنوبي أعلن منذ تأسيسه مشروعًا معلنًا يتمثل في استعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، وعقد ميثاقًا وطنيًا جنوبيًا في 2023 شاركت فيه عشرات المكونات الفاعلة التي تشكلت من رحم الحراك السلمي منذ 2007.
الإشكالية التي يطرحها كثيرون اليوم لا تتعلق بفكرة الحوار ذاتها، بل بتركيبته وتمثيله. فإذا كان المشروع المطروح يمنح غالبية المقاعد لقوى لا تؤمن صراحة بمبدأ استعادة الدولة أو لقوى ارتبطت بمخرجات حوار صنعاء والمرجعيات الثلاث 2013 م التي لم تنص بوضوح على حل عادل للقضية الجنوبية، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول الاتجاه النهائي لهذا المسار.
كما أن الثقة السياسية تُبنى على المواقف السابقة. فهل يمكن الاطمئنان إلى مسار حوار ترعاه أطراف سبق أن اختلفت جذريًا مع المشروع الجنوبي أو أيدت سياسات أضعفت القوات الجنوبية ميدانيًا؟ وهل يمكن تحقيق مكاسب سياسية حقيقية في ظل بيئة لم تُحسم فيها مسألة الاعتراف الواضح بأهداف شعب الجنوب؟
الواقع أن أي محاولة لإعادة تشكيل المشهد الجنوبي سياسيًا بعيدًا عن الإرادة الشعبية ستصطدم بحقيقة راسخة: أن الشارع الجنوبي، بعد سنوات من التضحيات، أصبح أكثر وعيًا بتفاصيل اللعبة السياسية. وقد يقبل بالتعدد والاختلاف، لكنه لن يقبل بالالتفاف على جوهر قضيته.
النقد هنا ليس دعوة للقطيعة، بل دعوة لإعادة تصحيح المسار:
حوار واضح الأهداف.
تمثيل عادل يعكس الوزن النضالي والسياسي الحقيقي.
اعتراف صريح بحق تقرير المصير كقاعدة للنقاش لا كموضوع للمساومة.
التاريخ القريب يثبت أن التدمير العسكري للقوات الجنوبية ومحاولة إنهاء المشروع الجنوبي عسكريا ، وهناك محاولة لتفكيكه سياسيًا عبر إعادة تدوير صيغ قديمة لن تكون أكثر نجاحًا. فالشعوب قد تتألم، وقد تمر بمراحل انقسام، لكنها في النهاية تنحاز لما تعتبره تعبيرًا صادقًا عن إرادتها.
المسألة إذن ليست في الحوار ذاته، بل في صدقيته، وأهدافه، وضماناته. ومن دون ذلك، سيبقى السؤال معلقًا: هل هو مسار لبناء شراكة جنوبية حقيقية، أم محاولة لإعادة إنتاج معادلات تجاوزها الميدان والشارع معًا؟
27يناير 2026م
#نعيم_الحيد