يقولون إن حكومتنا “الشرعية” تدير معركة استعادة الدولة ما بين مأرب وعدن وتعز وحضرموت. أبتسم؛ فيبدو أنهم يديرونها عبر شبكة “واي فاي” تابعة للحوثي، فكل قرارٍ “عاجل” من عدن، وكل توجيهٍ “سري” من مأرب، يمرّ أولًا عبر “فلتر” شركة “تيليمن” في صنعاء، التي تحوّله بلطف إلى “كاش” في خزينة المليشيا.
لو كان المتنبي حيًّا بيننا، لقال:
«أعزُّ مكانٍ في الدُّنا سيرفرُ الحوثي».
يخبروننا أن المليشيا تجني مليار دولار سنويًا، وأنا أقول إن الرقم أكبر؛ فشركة “يمن موبايل” وحدها أصبحت “البقرة الحلوب” للمجهود الحربي. وانظر إلى ما فعلوه بالشركات الخاصة: “سبأفون” تمّ نهبها، وMTN أُجبرت على الرحيل لتتحوّل، بقدرة قادر، إلى شركة “YOU”.
وقد يسأل سائل: وأين وزارة الاتصالات “الشرعية” من كل هذا؟ سؤال وجيه يجعلني أضحك بمرارة. فالوزارة الموقّرة مشغولة بمشاريع “استراتيجية” عظيمة؛ لديهم مشروعٌ جبّار اسمه “عدن نت”، وهو مشروع طموح جدًّا لدرجة أنه لم يغادر أسوار مدينة عدن بعد، ويعمل بسرعة السلحفاة في يومٍ حار. وبعد سنوات من هذا “النجاح الباهر”، انتقلت الوزارة إلى الخطة “ب”: انتظار وصول “المنقذ” إيلون ماسك.
لكن دعك من كل هذا، فالمصيبة الحقيقية هي استخدام هذه السيطرة كسلاح حرب مباشر. عندما قرّرت بعض البنوك الشجاعة نقل مراكزها الرئيسية إلى عدن، ماذا كان الرد؟ بضغطة زر، تمّ حجب تطبيقاتها المصرفية. إنها رسالة واضحة:
«إمّا أن تعودوا أذلّاء صاغرين، وإمّا أن نفصل عنكم شريان الحياة الرقمي».
والأدهى من ذلك، أن من يظنّ أن “واتساب” هو حصنه المنيع، كمن يهمس بسرٍّ في غرفة نوم خصمه ويظنّ أنه لا يسمعه. التشفير يحمي الرسالة وهي طائرة في الهواء، لكنه لا يحمي الهاتف الذي في يدك. المليشيا لا تحتاج إلى كسر تشفير واتساب؛ هي فقط تحتاج إلى إرسال رابط “تهنئة بالعيد” إليك، وبضغطة منك، يصبح هاتفك شاشة عرض مباشرة في غرفة عملياتهم.
وهنا مقترحٌ بسيط على طاولة دولة رئيس الوزراء، الدكتور شائع محسن الزنداني:
ابحثوا عن وزير اتصالات “فحفوح ومفحوس”، يضع تحرير الاتصالات نصب عينيه. أمّا إذا كان المنصب مجرّد رقمٍ في حكومة المحاصصة، فوفّروا راتبه؛ فالحوثي يقوم بالمهمة على أيّ حال.
إنها أغرب مسرحية عبثية في تاريخنا.
والرأي… في النهاية، للقارئ.