آخر تحديث :السبت-16 مايو 2026-12:35ص

نجاح الحوار الجنوبي مرهون بإفلاس الخطاب الشعبوي.

السبت - 24 يناير 2026 - الساعة 01:49 م
راجح المحوري

ليس من الحكمة أن تنكر قوة أنياب الأسد حتى ينشبها في ضلوعك..!

لأنك وقتها لن تحتاج إلى البرهان المادي للاعتراف بحقائق الواقع، بقدر حاجتك إلى طبيب ينقذك، إذا لم تحتج للملقن قبل السفر إلى العالم الآخر..

في مؤتمر الحوار الجنوبي الجنوبي الذي يتم التحضير له في الرياض عاصمة القرار العربي، لا سقوف للرؤى، ولا حد للخيارات (نظريا على الأقل)، لكن عند التقدم بهذه الرؤى التي لا شك سيحلق بعضها في ملكوت الوجد الصوفي؛ إلى الطاولات المشتركة لبحث المتاح والممكن، بالنظر إلى الواقع الإقليمي والدولي وقبله الواقع المحلي اليمني، عند وضع هذه الرؤى على طاولة البحث الجاد يجب أن تكون الأطراف مستعدة للحذف والإضافة والعزل والتهميش، تجاوبا مع حتميات الواقع وإكراهاته، فالواقعية السياسية هي وحدها من ستحمي الحوار من الفشل، وتؤسس للمشتركات في الرؤى التي تفضي إلى الرؤية التوافقية العامة للحل، وبالتالي هي التي ستحمي الجميع من تجريب قوة أنياب أسد آخر في المستقبل..

الأمر الآخر الذي توجبه المرحلة على كل ذي عقل رشيد، هو الابتعاد عن الشعبوية السياسية في الخطاب العام، و(ربط) ما يسمى في النقد الأدبي بالكاتب الضمني، وهو ذلك الهاجس الداخلي الذي يخرج من العمق المناطقي والجهوي القار في نفوس الكثيرين وهم لا يشعرون، فيمارس هواية التمجيد لقومه استجابة لنزعة مناطقية أو قبلية متأصلة في النفوس، ما يجعل الآخرين يأخذون من صاحبه موقفا مقابلا، لأنه ببساطة لا أحد سيعترف لأحد بالتفوق، غير أن هناك من يحب أن يمتدح ذاته وقومه ومنطقته علنا، وهناك من يفضل أن يتولى التاريخ الشهادة له أو عليه، الخطر من ذلك أنه يبقي الفضاء المحلي مشحونا وقابلا لخطابات التخوين التي عانينا منها طوال الفترة الماضية، وهو ما يوصد الباب أمام الإجماع المجتمعي على المخرجات والقبول بها.

إن أي حوار جنوبي سليم وصحي ومتحضر وناجح، يجب أن يبدأ بتنظيف الجو من الخطابات المناطقية ولازمتها الشهيرة (نحن قدمنا...) أولا، ومن المتشفية ثانيا، والثانية أهم حاليا كي تتجاوز بعض الأطراف حساسياتها الخاصة تجاه أطراف أخرى، فيتمكن أصحابها من السمو فوق شعورهم بالإفلاس أمام بعضهم البعض، فتكون الأجواء نفسيا وإعلاميا مهيئة للقبول بالتنازلات على طاولة الصيغة المشتركة للحل، وأظن أن هذا القبول أصبح مفروغا منه مهما كان..

أخيرا لقد وفر الإخوة في المملكة العربية السعودية فرصة نادرة لجمع الجنوبيين على طاولة واحدة، لبحث حل عادل لقضيتهم، وهي طاولة قادرة على إسناد ودعم أي مخرجات، فالتوافق على حل عادل للقضية الجنوبية فوق الطاولة السعودية سيكون مخرجا تاريخيا من صراعات الإخوة، والاستغلال الفج والقميء للقضية الجنوبية، فالطاولة السعودية لها قيمتها نظرا لمكانة المملكة وتأثيرها كلاعب إقليمي ودولي لا يُتجاوز، وهذا لا يفهمه إلا كل من ألقى السمع إلى خط الخطاب السياسي والدبلماسي العام للمملكة، وهو شهيد على ما تقوم به من أدوار على المسرحين الإقليمي والدولي.