آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-02:27ص

آه يا وجع السنين القادمات

الأربعاء - 21 يناير 2026 - الساعة 11:00 م
د. أنور الصوفي

بقلم: د. أنور الصوفي
- ارشيف الكاتب


تملأ الفرحة أرجاء البيت، والمكالمات تأتي من كل المحبين، وأم محمد ترتب لاحتفالية تخرج ابنها وتفوقه، وتكاد تطير من الفرحة، بعد انتهاء الاحتفالية تحضنه وتضمه بشدة إلى صدرها وهي تردد أنت روحي وقلبي ومستقبلي.


بعد أيام يجهز محمد أوراقه ليقدمها للجامعة، فيتم قبوله في الطب ليبدأ مرحلة جديدة من فصول النجاح، تزداد مصاريف محمد ولا يكاد راتب أبيه الشهيد أن يغطي مصاريف البيت والدراسة معًا، يقابل محمد صديقه في الثانوية ويحثه على التسجيل في التشكيلات العسكرية، يعود محمد ويفتح موضوع التسجيل في سلك العسكرية فتمسك به أمه بكل قوتها وهي تقول له: أنت المستقبل الذي حلمت به، أنت روحي وقلبي ولا أريد في هذه الحياة إلا أن أراك أمامي، لا أريد أن أفقدك كما فقدت أباك، سأوفر ما آكله لتكمل دراستك، سأستغني عن كل ريال لأبني به مستقبلك، ولكن محمد يبرر لها أنها مجرد سنة حتى يجمع له مصاريف الدراسة ثم سيعود لدراسته.


لم تقتنع الأم ولكن إصرار محمد جعلها تدعو له بالتوفيق، يذهب محمد للتسجيل ويأتيها اتصال فيرتعش كل جسمها، فترد وإذا بمحمد يقول لها: لقد تسلمت أول راتب يا أمي، وأوعدك بأنني سأعود لأحقق حلمك وحلمي وسأكون طبيبًا كما حلمنا سويًا، وترجوه بأن يعود، ولكنه يقنعها بأسلوبه ومن حبها له تدعو له.


تأتي نهاية الشهر الثاني ويأتيها الاتصال كما توقعت فاليوم يوم الراتب، فتفتح الجوال وهي تقول: محمد أرجوك خلاص عد، فأنا لا أتحمل غيابك، عد يا قلب أمك فأنا لا أقوى على هذا الفراق، وهي في مواصلة توسلاتها لفلذة كبدها يأتي صوت غريب يا أم محمد أنت امرأة مؤمنة، وهذه سنة الحياة، هنا تتجمد الكلمات على لسانها، وتنطبع صورة محمد أمامها مخضبًا بالدم، وتتجمع الأحزان والآهات وكل الأوجاع في صدرها، فتتصلب كل أعضائها، وهي تتمنى أن تسمع صوت ابنها ولو لمرة واحدة، فيأتيها الصوت مرة أخرى لينهي كل الآمال، محمد استشهد، هنا تنتهي أحلامها وتطلق كلمة أخيرة، آه يا وجع السنين القادمات.