آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-02:27ص

عدن ورسائل الدم

الأربعاء - 21 يناير 2026 - الساعة 10:58 م
عبدالعزيز الحمزة

بقلم: عبدالعزيز الحمزة
- ارشيف الكاتب


من اغتيال جعفر محمد سعد إلى محاولة اغتيال حمدي الشكري

عندما تُدار السياسة بالمتفجرات ويُعاد تشكيل الصراع بالقوة

لم تكن محاولة اغتيال الشيخ العميد حمدي الشكري الصبيحي، قائد الفرقة الثانية عمالقة، في مدينة عدن حادثًا أمنيًا عابرًا، ولا مجرد تفجير فاشل انتهى عند حدود سقوط أربعة من مرافقيه شهداء؛ بل تمثل هذه العملية تحولًا خطيرًا في طبيعة الصراع داخل عدن والجنوب عمومًا، ورسالة سياسية مكتملة الأركان، كُتبت بلغة الدم، وفي توقيت لا يمكن فصله عن التحولات العميقة التي يشهدها المشهد اليمني.

فالتفجير لم يستهدف شخصًا بقدر ما استهدف مسارًا، ولم يوجَّه إلى قائد عسكري فقط، بل إلى فكرة الدولة التي بدأ حضورها يتعافى تدريجيًا في مقابل انحسار مشروع الميليشيا.

تأتي هذه المحاولة في لحظة شديدة الحساسية، عقب فشل مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة، وبعد تحشيد عسكري انتهى بهزيمة سياسية وميدانية، وترافق ذلك مع تصاعد المطالب الشعبية والسياسية بإخراج المليشيات المسلحة من عدن، ووقف الإجراءات الأحادية التي قوضت مفهوم الشراكة، وأضعفت مجلس القيادة الرئاسي، وضربت المركز القانوني للجمهورية اليمنية.

في هذا السياق، يصبح السؤال المركزي:

لماذا الآن؟ ولماذا حمدي الشكري؟

الشيخ حمدي الشكري ليس مجرد قائد ميداني، بل يمثل نموذجًا لقائد عسكري مندمج في مشروع الدولة، ويُنظر إليه كأحد الشخصيات العسكرية والاجتماعية التي تؤيد توجهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي في استعادة الدولة، وضبط المسار العسكري والأمني، ورفض منطق الميليشيا، والتصدي لمحاولات فرض الأمر الواقع بالقوة.

استهدافه في هذا التوقيت هو تحذير صريح لكل من يفكر بالاصطفاف إلى جانب الدولة، ورسالة مفادها أن كلفة هذا الخيار قد تكون الدم.

عندما تتشابه البدايات ، تتكرر التجربة.

تعيد هذه الحادثة إلى الأذهان مشهدًا لم يغب عن الذاكرة الجمعية لعدن:

اغتيال الشهيد جعفر محمد سعد، محافظ عدن، في نهاية عام 2015، كأول عملية اغتيال كبرى بعد تحرير المدينة من ميليشيات الحوثي الانقلابية.

ذلك الاغتيال لم يكن مجرد جريمة، بل كان لحظة مفصلية دشّنت مرحلة جديدة من الفوضى، أُعيدت فيها هندسة السلطة بالقوة، وتمخضت عن تعيين محافظًا لعدن، مديرًا لأمنها، لتدخل المدينة بعدها في نفق طويل من الاغتيالات والتصفيات والانفلات الأمني، وتمدد نفوذ سلطات الأمر الواقع.

بين حادثة اغتيال جعفر ومحاولة اغتيال حمدي الشكري، يظهر خيط واحد واضح:

حين يفشل المشروع السياسي، يبدأ مشروع الدم.

من المستفيد؟

في التحليل الاستراتيجي، لا تُقرأ الأحداث بسؤال “من نفّذ؟” فقط، بل بسؤال أكثر عمقًا:

من المستفيد من إعادة عدن إلى مربع التفجيرات؟

الإجابة تقود إلى الطرف الذي:

تآكل نفوذه السياسي

فشل في التمدد شرقًا

وبدأ يخسر شرعيته حتى داخل معاقله التقليدية

فعودة الاغتيالات تعني تعطيل أي مسار لبناء الدولة، وإرباك مجلس القيادة الرئاسي، وإرسال رسالة ابتزاز:

إما القبول بالأمر الواقع الذي تفرضه أدوات الخارج، أو الفوضى.

لا يمكن فصل هذا المشهد عن الدور الاقليمي وأدواته المحلية، فحين يتراجع النفوذ السياسي والعسكري، تُستدعى ورقة الفوضى كبديل، ويُعاد تسويق معادلة قديمة:

إما نحن… أو الإرهاب.

وهي معادلة خبرها اليمنيون جيدًا، ودفعت عدن ثمنها سابقًا، حين قُدمت الميليشيا كضامن للأمن، بينما كانت المدينة تغرق في الظلام والدم.

وفي المقابل، يشهد المشهد تحولًا لافتًا مع عودة المملكة العربية السعودية إلى واجهة المشهد كداعمة لمشروع الدولة اليمنية، في مقابل تراجع الدور الفوضوي، ما جعل الصراع على اليمن ينتقل من الغرف المغلقة إلى الميدان، ومن السياسة الناعمة إلى الرسائل الأمنية الخشنة.

ومحاولة اغتيال حمدي الشكري تأتي في هذا السياق كجزء من صراع الإرادات بين:

مشروع دولة يسعى لإعادة بناء اليمن

ومشروع تفكيك يرى في الفوضى أداة نفوذ

السيناريو القادمة

إذا لم تُواجه هذه الرسائل بحزم، فإن عدن قد تكون على أعتاب:

موجة جديدة من الاغتيالات تستهدف القيادات المؤيدة للدولة

إعادة إنتاج الفوضى لإفشال أي ترتيبات سياسية

خلط الأوراق لمنع قرارات حاسمة لاستعادة الدولة، وبسط نفوذها.

أما المواجهة الجادة، فتبدأ بـ:

عودة مجلس القياده الرئاسي إلى العاصمة عدن، واعلان عن تشكيل الحكومة الوطنية من عدن

توحيد القرار الأمني

وتجريد الميليشيات من سلاحها ونفوذها

كشف شبكات الاغتيال

محاولة اغتيال حمدي الشكري ليست نهاية حدث، بل بداية اختبار:

إما أن تنتصر الدولة، وتُكسر معادلة الدم، أو تُترك عدن مجددًا رهينة لمشاريع الفوضى، كما حدث بعد اغتيال جعفر محمد سعد.

إنها لحظة الحقيقة، ولحظة الاختيار بين الدولة أو الاغتيال، وبين المستقبل أو إعادة تدوير الدم.


✍️ عبدالعزيز الحمزة

٢١ يناير ٢٠٢٦م