آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-02:27ص

اللغــــــز المحيــــر ..!

الأربعاء - 21 يناير 2026 - الساعة 09:50 م
حسن البهيشي

بقلم: حسن البهيشي
- ارشيف الكاتب


هناك سؤال ، أو لغز محير ، يكاد يكون متداول بين سائر مجتمعات و شعوب العالم .. احتار في حله أولو الألباب وذوو العقول ، وهو لغز قديم حديث ، مفاده : كيف يمكن إخبار شخص ما يفتقد إلى حاستي السمع والبصر ، وكذلك فاقد للنطق - أي أنه - أصم و أعمى و أبكم - كيف يمكن إخباره بوفاة والده ، وهو لم يعد لديه من الحواس الخمس إلا حاسة اللمس ، والشم ، والتذوق ، و هي حواس تبين من خلال بذل كل المحاولات أنها لم تجد نفعا في حل هذا التساؤل ؟ .


ولعل هذا السؤال ، أو اللغز افتراضي أكثر مما هو واقعي وحقيقي ، غير أنه سيق بغرض تقريب الصورة ، أو ضرب المثال لحالات سياسية أو اجتماعية أو تاريخية ، ربما تتكرر لدى شعوب العالم .. أو لتأكيد أهمية هذه الحواس كون كل ما يتلقاه الإنسان من علم ومعرفة لا يتأتى إلا من خلال وسائل ومنافذ هذه الحواس ، التي لا تبرز قيمتها وأهميتها إلا حين فقدانها على غرار "الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى" .


والله سبحانه بين لنا في كتابه الكريم أهمية هذه الحواس ، من حيث كون العلم والإدراك منوط بها - حين قال تعالى : ﴿ وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْـًٔا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمْعَ وَٱلْأَبْصَٰرَ وَٱلْأَفْـِٔدَةَ ۙ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ (78) النحل .


ومع ذلك تبقى كل المحاولات التي بذلت في حل هذا اللغز ولم تحرز أي تقدم يذكر في توصيل أي نوع من الإحساس لشخص يكاد معزولا تماما عن محيطه وعن عالمه ، بل لا يدرك حتى معنى الوفاة والرحيل عن الدنيا .. تبقى هذه المحاولات يستسيغها المنطق، و يقبلها العقل .


لكن مالا يمكن قبوله بأي حال من الأحوال ، وما لا يوجد له تفسير ، أو مبرر مقنع ، ومايبعث على الذهول والدهشة ، هو من يتمتعون بكامل حواسهم ، وطباعهم السليمة ، ووهبهم خالقهم موفور الصحة والعافية ، بحيث يرون بأم أعينهم كل مايحدث أمامهم من تغيرات على الساحة السياسية المحلية والإقليمية والدولية .


ولم يعد هناك أي نبض أو نفس أو بصيص من أمل يمكن التشبث به في جسد أو روح .. و يكاد الصراخ والعويل يصم الآذان ، ومظاهر مراسم العزاء والتشييع .. وكل ما حولهم يؤكد بأن مفعول الصدمة شارف على الانتهاء ، وحان وقت الاستيقاظ من تعمد تعطيل الحواس الهامة لحجب نور الحقيقة .


إلا أن تلك الجموع لاتزال مصرة على أن تلهث خلف السراب والعواطف الساذجة في محاولة يائسة و بائسة في إظهار أنها لاتزال تملك من أوراق القوة والضغط بل أوراق المكابرة و العناد و التحجر ما تناطح به الصخر ، الذي أدمى قرناها مما جعلها في موضع شفقة ورحمة أكثر مما هي موضع سخرية وإزدراء .. "كناطح صخرة يوما ليوهنها & فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل" .


لكن صفحات التاريخ وحدها كفيلة بأن تميط اللثام ، وتجبر الأعمى على أن ينظر إليها ، وتسمع من به صمم - بأن من خرج من النافذة لايمكن انتظار عودته من الباب ، وأن لا فائدة ترجى من البكاء على اللبن المسكوب .. فلطالما ملأ الضجيج والوعيد صداه الميادين والساحات بحتمية عودة قادة ورموز بارزين .. إلا أنه طواهم الزمن فماتوا غرباء ، أو عاشوا منسيين .