آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-08:12م

حضرموت والمهرة وسقطرى كيان واحد ..

الأربعاء - 21 يناير 2026 - الساعة 02:57 م
صالح عبد الله باحتيلي

بقلم: صالح عبد الله باحتيلي
- ارشيف الكاتب



حضرموت واخواتها بلد السلام والمحبة، لكنها أيضاً بلد الوعي والذاكرة الحية، بلد لا ينسى ولا يُلدغ من الجحر مرتين. حضرموت اليوم تتطلع نحو المستقبل بعين مفتوحة على التاريخ، وبإرادة صلبة قررت أن تضع حداً نهائياً لكل محاولات الالتفاف على حقها، فقد أجمعت كل القوى السياسية الحضرمية والمهرية والسقطرية، دون استثناء، على المضي قدماً نحو بناء دولة حضرموت، دولة تعبّر عن حقيقة هذه الأرض وتضحيات إنسانها، لا عن أوهام الآخرين ولا عن مشاريع فاشلة ثبت إفلاسها أخلاقياً وسياسياً.



حضرموت ترفض رفضاً قاطعاً تكرار مآسي الماضي وسنواته العجاف، وترفض بشدة إعادة إنتاج التجارب الفاشلة التي لم تكن سوى تجارب متخلفة وبليدة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فالحكام المحليون الذين أُسندت إليهم إدارة حضرموت والمهرة وسقطرى في مراحل سابقة، ثم ادّعوا لأنفسهم صفة السلاطين، لم يكونوا سوى عبء ثقيل على المجتمع، ولم يكونوا يوماً مخلصين لهذه الأرض ولا لأهلها. كانت فتراتهم من أسوأ مراحل الانحطاط والتخلف، اكتفوا خلالها بأن يبقى المجتمع في حالة جمود وتخلّف، بينما عاشوا هم عالة عليه، بلا رؤية، ولا مشروع، ولا إحساس بالمسؤولية التاريخية.



والحديث عن تلك المراحل طويل ومخزٍ، لكن يكفي ما قاله قادة الدولة الجنوبية السابقة أنفسهم عن هؤلاء، ليكون ذلك كافياً لمنعهم من مجرد التفكير في المشاركة بصناعة القرار الحضرمي اليوم، وكافياً أيضاً لطردهم من الذاكرة الجمعية لشعب لا يقبل أن يُقاد مرة أخرى بالوهم أو بالأسماء البالية. هؤلاء لم يكونوا أوفياء للمجتمع، ولم يدافعوا عن حضرموت ولا عن المهرة وسقطرى، ولم يتخذوا أي إجراءات فعلية لتنظيم المجتمع أو تمكينه من الدفاع عن أرضه وكرامته. بل على العكس، فما إن وصلت إليهم أخبار جرائم مليشيات جنوب اليمن الزاحفة إلى حضرموت عبر أبين، حتى حزموا حقائبهم وأبحروا إلى جهات غير معروفة، وكأن حضرموت والمهرة وسقطرى لا تعنيهم في شيء. وبعضهم سبق ذلك ورحل مع بريطانيا قبل هذه الأحداث بسنوات، تاركاً الأرض والناس لمصيرهم، في واحدة من أوضح صور الخيانة السياسية والتاريخية.


لهذا، فإن حضرموت ترفض وبحسم تكرار تلك التجارب الفاشلة، وترفض العودة إلى مسارات ثبت أنها لم تجلب سوى الإذلال والنهب والضياع. إن القبول بالعودة إلى تجربة البقاء مع جنوب اليمن ليس سوى استخفاف فجّ بالذاكرة الجمعية الحضرمية، تلك الذاكرة التي عانت طويلاً، ودفعت ثمناً باهظاً، وكانت تتمنى فقط فرصة للخلاص. وها هي الفرصة تأتي اليوم على طبق من ذهب، ولن يكون من الحكمة ولا من الشرف التفريط بها.


ما حدث عام 1967 لم يكن وحدة ولا شراكة، بل كان اجتياحاً واحتلالاً مكتمل الأركان، مارس فيه جنوب اليمن بحق حضرموت والمهرة وسقطرى أبشع صور التنكيل والتعذيب والقتل والسحل. كانت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ما زالت آثارها حاضرة حتى اليوم بعد أكثر من نصف قرن، وما زال ضحاياها متمسكين بحقهم في الإنصاف والعدالة. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل تواصل نهب الثروات، والاستبداد، والإقصاء والتهميش، وطمس الهوية الحضرمية والمهرية والسقطرية تحت مسميات إدارية مهينة كالمحافظة الخامسة والسادسة، في واحدة من أبشع صور الاعتداء على الهوية وتفكيك النسيج الاجتماعي.



وحتى اليوم، لا تزال التيارات الجنوبية الانفصالية تتوعد باجتياح حضرموت أو تشتيت صفوفها لإعادتها قسراً إلى جنوب اليمن، في نزعة استعلاء واستبداد وهيمنة لم تتوقف منذ الاحتلال الأول عام 1967، وامتدت إلى محاولات الاحتلال الثاني في مطلع ديسمبر 2025، حين شُنّ هجوم غاشم بعشرات الألوية وبكافة أنواع الأسلحة الثقيلة، وتمت السيطرة على حضرموت والمهرة وسقطرى، وارتُكبت خلاله جرائم واسعة وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. وقد وثّق المركز اليمني لحقوق الإنسان ومنظمات دولية أكثر من خمسة وأربعين ألف انتهاك خلال شهر واحد فقط، قبل أن تُطرد تلك المليشيات وتُهزم وتُذل، في مشهد أكد أن هذه الأرض لا تقبل الغزاة مهما طال الزمن.



ورغم تلك الهزيمة المذلة، لا يزال الحزب الاشتراكي اليمني بثوبه الجديد، المجلس الانتقالي، يعمل في الخفاء، متستراً بشعارات مستهلكة عن “نزاهة القضية الجنوبية”، وهي قضية عاشت بتاريخ أسود احتُقر فيه شعب حضرموت والمهرة وسقطرى، واحتُقرت فيه حتى مرحلة السلاطين أنفسهم، حين امتلأت أدبياتهم بكل ألفاظ الذم والتحقير ووصفهم بالكهنوت والتخلف. واليوم، في تناقض فاضح، يحاولون إعادة تدوير بقايا هؤلاء السلاطين، ووضعهم في الواجهة، لا احتراماً لهم ولا إيماناً بدورهم، بل لاستخدامهم كأداة اختراق لضرب مشروع حضرموت من الداخل، ثم الاستغناء عنهم وسحقهم لاحقاً، كما فعلوا في الماضي بلا تردد ولا رحمة.



لكن حضرموت اليوم أكثر وعياً من أن تنطلي عليها هذه الحيل البائسة. إنها حضرموت التي اختارت السلام لا ضعفاً، بل قوة، واختارت المحبة لا استسلاماً، بل وعياً. وهي ماضية بثبات نحو بناء دولة حضرموت، دولة تحفظ الكرامة، وتصون الهوية، وتقطع الطريق على كل مشاريع الوصاية والهيمنة، مهما تغيّرت أسماؤها أو تبدّلت وجوهها.


المحامي صالح باحتيلي النعماني – محام مترافع أمام المحكمة العليا