آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-11:43م

حضرموت. حين يتحول الملف الأمني إلى قنبلة سياسية موقوتة.

الثلاثاء - 20 يناير 2026 - الساعة 05:19 م
غمدان ابواصبع

بقلم: غمدان ابواصبع
- ارشيف الكاتب


​لم يكن تصريح محافظ حضرموت سالم الحنبشي مجرد رصاصة صوتية في فضاء الإعلام، بل كان زلزالاً سياسياً حُسبت توقيتاته بدقة متناهية؛ فنحن لا نتحدث هنا عن شكوى حقوقية عابرة أو سجال عارض، بل عن رسالة مشفرة كُتبت بمداد من توازنات النفوذ لتهز أركان المشهد في الجنوب اليمني بأكمله.


بطلقة واحدة، قرر الحنبشي نبش الدفاتر القديمة بذكاء سياسي مغلف بالغطاء الأمني، معلناً الفيتو في وجه أي محاولة لإعادة تدوير الأدوار الإقليمية أو الأدوات المحلية في حضرموت، حيث لم تعد القضية تتعلق بحادثة معزولة، بقدر ما ترتبط بذاكرة أمنية تراكمت عبر سنوات الجمر، وأُعيد استحضارها اليوم كأداة ردع لا يمكن تجاوزها.


​قوة هذا الخطاب لا تكمن في حدّته اللفظية، بل في استناده إلى سجل ملغم بالتقارير الدولية وشهادات الضحايا التي جعلت من النفي السياسي مجرد محاولة يائسة لإطفاء حريق هائل؛ وخلف كواليس هذا التصعيد، تلوح في الأفق ملامح مواجهة إقليمية صامتة.

إذ يبدو أن التصريح كان ساعي بريد يحمل رسالة سعودية غير مكتوبة، فحواها أن حضرموت خط أحمر، وأن أي محاولة لإرباك المشهد الجنوبي ستقابل بفتح صندوق باندورا للملفات المؤجلة ذات الكلفة السياسية الدولية الباهظة.


​وما يثير الدهشة والريبة في آن واحد، هو ذلك الاستنفار الإماراتي الحاد والرد المفصل الذي كشف عن قلق حقيقي من تحول هذه الملفات من مجرد مانشيتات صحفية إلى أضابير قانونية قد تجد طريقها إلى الدوائر الدولية لقد تحولت حضرموت اليوم إلى مرآة تكشف حقيقة كبرى


أن زمن إدارة الملفات الأمنية خارج إطار الدولة قد انتهى، بعد أن أصبح عبئاً سياسياً لا يمكن احتماله. إننا اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فهل تكون هذه اللحظة هي المسمار الأخير في نعش ملفات


الماضي، أم أنها مجرد طلقة تحذيرية لمواجهة كبرى قادمة، عنوانها الأبرز: من يملك حق رسم حدود النفوذ فوق تراب حضرموت والجنوب بشكل عام


ومع جفاف حبر التصريحات يبدوأننا لسنا أمام مجرد تصفية حسابات عابرة، بل نحن بصدد تدشين مرحلة كسر العظم السياسي؛ فحضرموت التي كانت هادئة تحت الرماد،


تتحول اليوم إلى حقل ألغام قد ينفجر في وجه أي طرف يسيء تقدير المسافة بين السيادة والنفوذ. السؤال الذي يفرض نفسه الآن بغموض مخيف:


هل سيقبل اللاعبون الإقليميون بهذه القواعد الجديدة للعبة، أم أننا سنشهد فصلاً جديداً من الصراع، حيث لا تُفتح الملفات الحقوقية فيه إلا لتكون وقوداً لحروب باردة أو ربما ساخنة تعيد رسم جغرافيا القوة في الجنوب واليمن بأسره من جديد


الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كانت رسالة حضرموت هي طوق النجاة الأخير للدولة، أم أنها مجرد صاعق تفجير لمواجهة كبرى لم تبدأ فصولها الأكثر ضراوة بعد.