ما يُتداول في الآونة الأخيرة بشأن ما يُسمّى بـ«الإقليم الشرقي» في اليمن لا يستند إلى حقائق سياسية أو تاريخية راسخة، بل يندرج في إطار الأوهام والمغالطات التي يُراد تمريرها كمدخل للالتفاف على مشروع حضرموت، ومحاولة التسلل إليه عبر بوابة نظام الأقاليم ،الذي سيكون بمثابة قنبلة ستنسف مشروع حضرموت وستدخلة في نقاشات تدمر النسيج الاجتماعي. إن هذا الطرح، بصيغته المتداولة حاليًا، لا يمكن فصله عن مساعٍ واضحة تقودها أطراف من المحافظة الرابعة لإعادة إنتاج هيمنة الجنوب على حضرموت، ولكن بأدوات جديدة وعناوين مختلفة، بعد أن فشلت أدوات الهيمنة المباشرة في فرض واقعها.
واللافت أن جميع القوى السياسية والاجتماعية الحضرمية، على اختلاف توجهاتها، ما زالت متفقة حتى اللحظة على كيان حضرموت الذي يضم حضرموت والمهرة وسقطرى، بوصفه إطارًا جغرافيًا وسياسيًا متكاملًا يعكس الخصوصية التاريخية والاجتماعية والثقافية لهذا الفضاء. ولم يرد في أي من الخطابات أو الوثائق الحضرمية الجادة ما يشير إلى إدخال «المحافظة الرابعة» ضمن هذا الكيان، لا تصريحًا ولا تلميحًا. ومن هنا، فإن محاولة الزجّ باسم الإقليم الشرقي وربطه بمشروع حضرموت تمثل خروجًا متعمدًا عن الإجماع الحضرمي، ومحاولة لإرباك الوعي العام وخلط المسارات.
أما ما نُقل عن محافظ حضرموت، الأستاذ سالم الخنبشي بشأن الإقليم الشرقي، فيجب وضعه في سياقه الصحيح. فقد جاء حديثه ضمن إطار خطة حكومية قديمة لتطبيق نظام الأقاليم داخل الجمهورية اليمنية، وهي الخطة التي طُرحت وأُقرّت خلال فترة رئاسة عبدربه منصور هادي، لكنها مرفوضة الان، ولم تكن يومًا تعبيرًا عن المشروع الحضرمي الذي يتبناه أبناء حضرموت اليوم. فالفارق الجوهري بين الطرحين يتمثل في أن ما يذهب إليه الحضارم ليس إعادة تدوير لنظام الأقاليم، بل مسار مختلف جذريًا يقوم على استعادة دولة حضرموت على مراحل، تبدأ بالحكم الذاتي، وتنتقل لاحقًا إلى تقرير المصير، وفق إرادة شعبية واضحة ومعلنة.
وفي هذا السياق، يجب التأكيد بوضوح أن محافظة شبوة، بصيغتها الإدارية الحالية، لن تكون جزءًا من دولة حضرموت المنشودة. فمحاولات مؤتمر شبوة الوطني تفسير المشروع الحضرمي على نحو مغاير، أو السعي لركوب «عربة الأقاليم» للالتحاق بمشروع دولة حضرموت، لا تقوم على أساس واقعي أو تاريخي، حتى لو حاولت تغليف ذلك بخطاب وحدوي أو تنموي. فالحضارم يدركون تمام الإدراك أن شبوة لم تكن تاريخيًا جزءًا من حضرموت، وأن الاستناد إلى حصن شبوة بوصفه دليلًا تاريخيًا لا يصمد أمام البحث العلمي؛ إذ إن هذا الحصن ليس سوى موقع أثري صغير يقع على الحدود الغربية لحضرموت بالقرب من الخشعة، وكان يؤدي وظيفة بوابة غربية، لا مركزًا سياسيًا أو حضاريًا لحضرموت. أما إدراجه ضمن التقسيم الإداري الحديث للمحافظة الرابعة، فهو نتاج ترتيبات إدارية معاصرة لا تُنشئ تاريخًا ولا تُعيد رسم هوية.
إلى جانب ذلك، فإن المحافظة الرابعة، من حيث النسيج الاجتماعي والعادات والتكوين القبلي، أقرب تاريخيًا واجتماعيًا إلى مأرب، بل وكانت أجزاء واسعة منها ضمن امتداداتها. ومن هنا، يبرز تساؤل مشروع: ما الذي يمنع هذه المحافظة من البحث عن صيغ تكتل أو شراكة مع مأرب، بدل محاولة القفز فوق الجغرافيا والتاريخ للالتحاق بحضرموت؟ إن الإجابة الى الان غامضة ، لكن توحي ان مشروع الاقليم الشرقي ملغم ومعد لنسف قضية حضرموت.
وفوق ذلك كله، لا يمكن تجاهل البعد الأمني والأخلاقي في هذا النقاش. فالأطراف التي شاركت في الهجوم الغادر على حضرموت والمهرة وسقطرى في مطلع ديسمبر 2025 لا يمكن أن تكون جزءًا من مستقبل حضرموت بأي حال من الأحوال. وتشير الإحصاءات الميدانية بوضوح إلى أن ما يقارب نصف القوة التي شاركت في ذلك الهجوم انطلقت من المحافظة الرابعة، وهو ما ترك جرحًا عميقًا في الوعي الحضرمي، ورسّخ قناعة راسخة بأن من اعتدى على الأرض لن يكون شريكًا في تقرير مصيرها.
كما أن الفوارق في النسيج الاجتماعي والثقافي بين حضرموت والمحافظة الرابعة ليست مسألة شكلية، بل مسألة جوهرية تمسّ طبيعة الاستقرار المنشود. فحضرموت، بتاريخها وتركيبتها الاجتماعية، قامت على ثقافة السلم والتعايش والتجارة والانفتاح، في حين غرقت المحافظة الرابعة، لسنوات طويلة، في دوامة الثأر والصراعات القبلية، وهي ثقافة لا يمكن استيرادها إلى حضرموت دون أن تدمّر أسس السلم الاجتماعي الذي يسعى الحضارم إلى ترسيخه. إن الحضارم يدركون أنهم يقفون اليوم عند لحظة تاريخية فاصلة للخروج من هيمنة الأحزاب والقبائل اليمنية، شمالًا وجنوبًا، ولن يقبلوا أن تتحول أرضهم إلى ساحة صراع قبلي جديدة تُبدّد حلم الدولة الحديثة، وتعيدهم إلى الشتات مرة أخرى.
إن التحذير هنا ليس موجّهًا بدافع التعالي، بل بدافع حماية مشروع حضرموت من الاختراق والتفريغ من مضمونه. فخلط المسارات، والتلاعب بالمصطلحات، واستدعاء الأقاليم كحصان طروادة، لن يؤدي إلا إلى إجهاض المشروع الحضرمي في لحظة تاريخية نادرة تهيأت فيها الشروط للخلاص من التبعية. ومن لا يدرك خطورة هذه اللحظة، أو يحاول استغلالها لأجندات جانبية، فإنما يضع نفسه في مواجهة إرادة شعب، اختار أخيرًا أن يكتب تاريخه بيده، لا أن يُملى عليه من الخارج.
المحامي صالح باحتيلي النعماني – محام مترافع أمام المحكمة العليا