آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-08:12م

حضرموت والمهرة وسقطرى خط احمر ..

الإثنين - 19 يناير 2026 - الساعة 01:17 م
صالح عبد الله باحتيلي

بقلم: صالح عبد الله باحتيلي
- ارشيف الكاتب



ما زالت أدوات الخطاب الانفصالي الجنوبي داخل حضرموت أسيرة حالة عميقة من الغباء السياسي، وإنكار يتجلى بوضوح في الإصرار على استدعاء تصورات قديمة عن الجغرافيا والسلطة، وتحديدًا وهم السيطرة على حضرموت والمهرة وسقطرى، وعادتها لجنوب اليمن مرة أخرى، رغم أن التحولات العسكرية والسياسية والاجتماعية التي شهدها اليمن مؤخرا قد نسفت هذه التصورات من جذورها. لكن ضلت تلك النزعة الغبية تراوح مكانها، ولا تستند إلى قراءة واقعية للمشهد، بقدر ما تعكس ذهنية استبدادية عاجزة عن استيعاب المتغيرات، ولا تزال تتغذى على شعارات تجاوزها الزمن، ولم تعد قادرة على تفسير الواقع أو التعامل مع حقائقه الجديدة.

ويبدو أن هذه القوى لم تستفق حتى الآن من وقع الهزيمة القاسية التي مُنيت بها التشكيلات المسلحة التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة وسقطرى، وهي هزيمة لا يمكن اختزالها في بعدها العسكري فحسب، بل تمتد إلى بعدها السياسي والأخلاقي. فقد كشف هذا الصراع حجم الرفض الشعبي المتراكم تجاه ممارسات القهر والانتهاك التي عانت منها حضرموت تاريخيًا، منذ دخولها القسري في منظومة الصراع الجنوبي عام 1967، مرورًا بمرحلة الاحتلال السياسي والعسكري عام 1978، وصولًا إلى إعادة اجتياح حضرموت والمهرة وسقطرى الجديدة عام 2025. وبين هذه المحطات، يتبدى خيط واضح من التشابه في أساليب التعبئة، ونوعية الشعارات، واستخدام العنف الممنهج، والنتائج الكارثية التي تمثلت في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ففي التجربة الأولى، شهدت حضرموت عمليات سحل وتصفيات علنية أمام المنازل، وفي التجربة الثانية تكررت المأساة بصيغ أخرى، من اختطاف قسري من الطرقات العامة، واقتحام للبيوت، وترويع للأسر، ونهب للممتلكات الخاصة. أما الذرائع، فبقيت هي ذاتها وإن تغيّرت عناوينها؛ فمرة تحت شعار “حماية حضرموت والمهرة وسقطرى من الأنظمة "الملكية الرجعية الكهنوتية" حسب قولهم، ولاخرى بذريعة “حماية حدود حضرموت من تجاوزات المملكة العربية السعودية ”، وهو سيناريو وسخ، لتبديد وتمزيق وحدة المجتمع وفصل حضرموت واخواتها عن محيطها الخليجي ، لكن في كلا الحالتين كانت النتيجة واحدة ، فقد انعكست تلك الأفعال الى كراهية عميقة، وقطيعة تاريخية، جعلت من فكرة اندماج حضرموت واخواتها، في مشروع الجنوب أمرًا غير قابل للحياة، بل مستحيلًا سياسيًا واجتماعيًا مستقبلا. وان أي أصوات ستظهر في حضرموت تطالب بالجنوب، تعتبر أدوات تامرية يجب سحقها.

إن ما أفرزته هذه التجارب هو قناعة راسخة لدى أبناء حضرموت والمهرة وسقطرى بأن الدفاع عن الأرض والسيادة لا يحتمل التردد أو إعادة اختبار ما ثبت فشله. ومن هذا المنطلق، لم يعد مقبولًا التساهل مع أي خطاب حضرمي يسعى إلى إعادة إنتاج التجربة ذاتها، سواء تحت مظلة احزاب شمالية أو جنوبية. فالدفاع عن حضرموت يفرض حزمًا سياسيًا وأخلاقيًا تجاه الأصوات التي تستهين بالسيادة، أو تطرح حرية الاختيار بوصفها مدخلًا للتفريط بالقرار المحلي. وفي لحظات الطوارئ والظروف الاستثنائية، لا يمكن التعامل مع مفاهيم الديمقراطية وحرية التعبير بوصفها أدوات مسموح بها ، بل تُستعاد هذه القيم بعد استقرار الوضع وحماية الكيان.

وتؤكد المتغيرات التي شهدها جنوب اليمن عمومًا، وما جرى في حضرموت والمهرة وسقطرى على وجه الخصوص، أن فكرة قيام دولة جنوبية موحدة لم تعد واقعية لا جغرافيًا ولا سياسيًا ولا اجتماعيًا. فهذه المحافظات الثلاث لم تعد ترى نفسها جزءًا من الجنوب، كما لم تعد تقبل بالعودة إلى معادلة الشمال، بل تتجه بوضوح نحو خيار الاستقلال السياسي بوصفه المسار الوحيد القادر على حماية الإنسان والأرض والموارد.

وفي المقابل، تبدو الحاجة ملحّة لأن يعيد جنوب اليمن، الممتد من عدن إلى شبوة، ترتيب واقعه السياسي بعيدًا عن الأوهام، وأن يواجه الحقائق بعقلانية سياسية. فقيام دولة جنوبية بعد خروج حضرموت والمهرة وسقطرى بات أمرًا بالغ الصعوبة، ليس فقط بسبب فقدان العمق الجغرافي والاقتصادي، بل أيضًا نتيجة غياب التوافق الداخلي، وتعدد مراكز النفوذ، والتنمر القبلي البيني وهيمنة أنماط الاستبداد التي تقوّض أي مشروع دولة مستقرة. ولهذا، لم يعد مستغربًا أن تتجه قناعات كثير من الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى اعتبار أن أقصى ما يمكن أن يبلغه هذا الكيان هو صيغة فيدرالية ضمن دولة يمنية واحدة، لا أكثر.

وبهذا المعنى، فإن الجنوب، كما يتشكّل اليوم في الوعي الدولي، لا يُنظر إليه بوصفه دولة مستقلة مكتملة الأركان، بل إقليمًا مرشحًا للاندماج في تسوية فيدرالية شاملة. أما حضرموت واخواتها، فإنها تسلك مسارًا مختلفًا جذريًا، مسارًا يقوم على وضع خاص يتجاوز ثنائية الشمال والجنوب التي استُهلكت تاريخيًا، ولم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار. وهذا التوجه لا ينطلق من نزعة انعزالية، بل من قراءة واقعية لمكانة حضرموت التاريخية، ونسيجها الاجتماعي، وامتدادها الثقافي والاقتصادي، الذي ظل مرتبطًا بشكل وثيق بمحيطه الخليجي بوصفه عمقها الطبيعي.

ستكون هناك خطوط حمراء يمنع تجاوزها ، وكل إصرار من قبل دعاة الانفصال الجنوبي داخل حضرموت ، على تجاوزها سيعرضهم للعقاب.

المحامي صالح باحتيلي النعماني

محامٍ مترافع أمام المحكمة العليا