آخر تحديث :الأحد-22 مارس 2026-01:34ص

تدوير النفايات السياسية ......

السبت - 17 يناير 2026 - الساعة 02:13 م
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب



المتابع للمشهد العام لا يحتاج إلى كثير من العناء ليكتشف حقيقة إعادة تدوير الوجوه اليمنية ذاتها؛ إعلاميين، وساسة، وشاغلي مناصب مفصلية، وجوه لم تختبرها الأيام إلا فوجدتها بلا مبدأ ولا ثبات. لا تعرف اتجاهًا سوى حيث يكون «الماء»، والماء في قاموسها ليس إلا المال. فمن يفتح كيسه ينل الولاء، ومن يُغلقه يُستبدل دون تردد، أما القيم فليست سوى شعارات موسمية تُرفع عند الحاجة وتُداس عند أول صفقة.

المؤلم أن بعض الحلفاء ما زالوا يراهنون على هذه العيّنة، رغم إدراكهم الكامل لتقلّباتها ونزعتها الانتهازية، لكنهم يفضّلون من يُجيد التطبيل، ويجاري الأهواء، ولو مرحليًا. وفي اليمن تجلّت هذه السياسة بوضوح فاضح؛ إذ مُنحت المساحات والفرص لمن لا أمان لهم، فيما جرى تهميش المخلصين أو إقصاؤهم كليًا، مع أنهم وحدهم من يمثلون صمام الأمان الحقيقي للشعب والدولة.

ويُسوّق البعض لوهم أن إبقاء اليمن تحت المراقبة والهيمنة يحقق الطمأنينة، غير أن هذه حسابات قاصرة وعمياء؛ فالأموال التي تُهدر لشراء الولاءات لا تبني أمنًا ولا تصنع استقرارًا، بل تؤسس لفوضى مؤجلة ستطال الجميع بلا استثناء. إن دعم المتلوّنين في مواقفهم ليس استثمارًا سياسيًا، بل مقامرة خاسرة، وما تأخر انفجار نتائجها إلا لأن الفاتورة تتراكم بصمت.

الأخطر من ذلك أن هذا النهج لم يتوقف عند الأفراد، بل امتد إلى دعم قوى وقبائل جرى التعامل معها كسلع سياسية، يُشترى ولاؤها بالمال والسلاح، فكان الناتج تدميرًا منظمًا للنسيج الاجتماعي، وتوسيعًا لثقافة الارتزاق، حتى صار الولاء معروضًا في سوق مفتوح، يدخل فيه كل من يملك ثمنًا أعلى. وهكذا فُتحت الأبواب للتمرد، وتحوّل اليمن إلى ساحة تصفية حسابات، لا مشروع دولة.

لقد جُرّبت سياسة تدوير الدعم مرارًا؛ دعم طرف ضد آخر، ثم الانقلاب عليه، ثم دعم خصمه، ثم الانتقال إلى فصيل جديد، بلا بوصلة ولا رؤية، سوى منطق الإضعاف المتبادل. هذا التخبط لم يدمّر الخصوم بقدر ما دمّر اليمن ذاته، وعمّق الانقسام، وخلق قوى هجينة تسللت إلى النسيج المجتمعي تحت شعارات دينية أو مناطقية، فيما السؤال الجوهري ظل معلقًا بلا إجابة: لمن يكون ولاء هؤلاء حقًا؟ لليمن؟ أم لمن يدفع أكثر؟ أم لمشاريع لا ترى في اليمن سوى ساحة نفوذ؟

ولو أن الشراكة بُنيت منذ البداية مع أصحاب الضمائر الحية، ومع من يحملون همّ أوطانهم لا أرصدتهم، لكانت اليمن اليوم أكثر استقرارًا ونهوضًا، ولانعكس ذلك أمنًا ورخاءً على دول الجوار جميعها. فاليمنيون، وفي مقدمتهم الحضارم، أهل وفاء وسلام، لكنهم أيضًا أهل كرامة، لا يقبلون الإذلال، ولا يرضون أن يكونوا أدوات في مشاريع الآخرين. والتاريخ شاهد على مواقفهم، وما فعلوه بكل من حاول العبث بأرضهم أو كسر إرادتهم.

إنها دعوة صريحة للأشقاء: كفّوا عن الرهان على الباعة، فقد استُنزف هذا الخيار حتى العظم. آن الأوان لدعم المخلصين، وتمكين من لم تتلوث أيديهم بالصفقات، حتى تنعم اليمن، ومعها دول الجوار، بحياة كريمة خالية من الحروب، بعيدة عن الغطرسة، ومنزهة عن الاصطفافات التي تقتل كل أمل في السلام.

أما المتلوّنون والانتهازيون، فمصيرهم مزابل التاريخ، وصفحاته لا ترحم. ومن يصرّ اليوم على إعادة إنتاجهم، فليعلم أنه شريك في الخراب، ولو ظنّ نفسه بعيدًا عن نيرانه.

بقلم د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود