في مسار الدول، لا تصنع القيادات في المكاتب، بل تتكون عبر سنوات طويلة من الخدمة والانضباط والتضحيات، وحين يذكر اسم الفريق الركن محمود أحمد سالم الصبيحي، يستحضر تاريخ عسكري يمني ممتد، تشكل عبر عقود من العمل الصارم والمسؤوليات الثقيلة، حتى صار واحدا من أبرز القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بالمؤسسة العسكرية والدفاع الوطني في اليمن.
ولد الفريق محمود الصبيحي عام 1948 في منطقة هويرب بمديرية المضاربة في محافظة لحج، جنوب اليمن، ونشأ في بيئة عرفت الانتماء والانضباط مبكرا، فاختار طريق العسكرية علما وسلوكا، والتحق بالكلية الحربية في عدن، حيث تخرج عام 1976 حاملا بكالوريوس علوم عسكرية، واضعا قدمه الأولى على طريق القيادة.
لم يتوقف طموحه عند حدود التأهيل المحلي، بل واصل تحصيله العلمي في واحدة من أعرق المؤسسات العسكرية العالمية، فنال ماجستير العلوم العسكرية من أكاديمية فرونزا في الاتحاد السوفيتي خلال الفترة 1978–1982، إلى جانب دورة القيادة والأركان، ليجمع بين المعرفة النظرية العميقة والخبرة التطبيقية التي تؤسس لقائد ميداني من الطراز الرفيع.
تنقل الفريق الصبيحي بين مواقع عسكرية حساسة، وتولى مهام قيادية متقدمة، فقاد اللواء 25 ميكا بين عامي 1986 و1988، ثم تولى قيادة الكلية العسكرية في عدن من 1988 حتى 1990، وأسهم في إعداد أجيال من الضباط وفق أسس مهنية صارمة.
وبعد قيام الوحدة اليمنية، عين نائبًا لمدير الكلية الحربية خلال الفترة 1990–1993، في مرحلة دقيقة تطلبت خبرة عالية وقدرة على إدارة مؤسسة عسكرية موحدة.
وبعد سنوات من الإقامة خارج الوطن، عاد الصبيحي إلى اليمن عام 2009، ليرقى إلى رتبة لواء في 2010، ويستأنف دوره القيادي داخل القوات المسلحة.
وفي عام 2011 عين قائدا لمحور العند بمحافظة لحج، ثم صدر قرار رئاسي في أبريل 2013 بتعيينه قائدا للمنطقة العسكرية الرابعة ومقرها عدن، ضمن قرارات إعادة هيكلة الجيش اليمني، وهي مرحلة مفصلية في تاريخ المؤسسة العسكرية.
مع سيطرة جماعة الحوثي المدعومة من إيران على العاصمة صنعاء، وتوقيع اتفاق السلم والشراكة في 21 سبتمبر 2014، تشكلت حكومة جديدة في 13 أكتوبر من العام ذاته برئاسة خالد محفوظ بحاح، وتم تعيين الفريق الركن محمود أحمد سالم الصبيحي وزيرا للدفاع في 7 نوفمبر 2014، خلفا للواء محمد ناصر أحمد، وبذلك أصبح الصبيحي سابع وزير دفاع يمني، وخامس ضابط من المحافظات الجنوبية يتولى هذه الحقيبة السيادية.
وخلال تلك المرحلة العصيبة، تمكن الفريق الصبيحي من مغادرة صنعاء في 5 مارس 2015 متجها إلى عدن، التي أعلنها الرئيس عبدربه منصور هادي عاصمة مؤقتة للبلاد، وأعيد تكليفه بمهام وزير الدفاع وقيادة القوات في عدن ولحج لمواجهة زحف المليشيات، في واحدة من أصعب المحطات التي واجهتها الدولة اليمنية.
وفي التاسع من مايو 2024، صدر قرار رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي بترقية الفريق الصبيحي إلى رتبة فريق، وتقليده وسام الشجاعة من الدرجة الأولى، ثم تعيينه بعد أيام مستشارا لرئيس مجلس القيادة لشؤون الدفاع والأمن، تقديرا لدوره وخبرته الطويلة.
واليوم، يأتي قرار مجلس القيادة الرئاسي بتعيين الفريق الركن محمود أحمد سالم الصبيحي عضوا في مجلس رئاسة الجمهورية اليمنية، تتويجا لمسيرة وطنية ممتدة منذ مطلع السبعينيات، ومسار عسكري وسيادي حافل بالعطاء والانضباط والعمل الصادق.
وبهذه المناسبة، نتقدم بأحر التهاني والتبريكات للفريق الركن محمود أحمد سالم الصبيحي، بمناسبة نيله ثقة القيادة السياسية وتعيينه عضوا في مجلس القيادة الرئاسي، إن هذا التعيين ليس منصبا فحسب، بل اعتراف بمكانة قائد وطني مخلص، وشخصية عسكرية صنعت حضورها بالعمل والمسؤولية، ويعد يوم فخر واعتزاز لأبناء الصبيحة، ولمحافظة لحج، وللشعب اليمني بأسره، بتبوّئه أحد قياداته المخلصة في مرحلة تحتاج إلى الرجال الذين صقلتهم التجربة وثبّتهم الواجب.