آخر تحديث :الخميس-05 مارس 2026-06:57ص

بالعقل لا بالعاطفة تُدار المنعطفات المصيرية

الثلاثاء - 13 يناير 2026 - الساعة 10:34 م
‫د.علي صالح الخلاقي‬‎

بقلم: ‫د.علي صالح الخلاقي‬‎
- ارشيف الكاتب


في العمل السياسي، وخصوصاً عند المنعطفات التاريخية الحاسمة، لا تُدار الأمور بالعاطفة ولا تُحسم بردود الأفعال، بل بتحكيم العقل، وحسن تقدير المواقف، وقياس النتائج قبل الإقدام على الخطوات. فالسياسة، في جوهرها، فن تحقيق الأهداف بأقل الخسائر الممكنة، وصون المكتسبات لا التفريط بها.

واليوم، وفي ظل ما يمر به الجنوب من تحديات دقيقة وتعقيدات إقليمية متشابكة، نحن أحوج ما نكون إلى خطاب العقل، وإلى قراءة هادئة وعميقة للواقع، تراعي موازين القوى، وتحافظ على ما تحقق لقضية شعبنا من إنجازات كبيرة، كان للتحالف العربي، وفي مقدمته المملكة العربية السعودية، الدور الأبرز في دعمها وتمكينها.

لقد جاءت التداعيات الأخيرة، وما رافقها من أحداث متسارعة ومفاجئة، لتؤكد أن غياب التقدير المسبق للعواقب قد يفتح أبواباً لا تخدم قضيتنا، خصوصاً في ظل بوادر الخلاف التي ظهرت بين الأشقاء في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وما تبع ذلك من انسحاب إماراتي من بعض الملفات وترك الساحة للأشقاء في المملكة، بناءً على طلبهم وتحملهم لمسؤولية القيادة المباشرة للتحالف العربي.

ومن هنا، فإن منطق العقل والحكمة يفرض علينا أن ننظر إلى هذه المتغيرات لا بعين القلق أو الشك، بل بعين الثقة والشراكة. فالمملكة العربية السعودية لم تكن يوماً بعيدة عن قضايا الجنوب، وهي اليوم تقود التحالف العربي سياسياً وعسكرياً، وتتحمل عبئاً كبيراً في حفظ أمن المنطقة واستقرارها، انطلاقاً من إدراكها العميق لخطورة المشروع الحوثي والجماعات الارهابية على الأمن القومي العربي برمته.

واللافت والمهم في هذه المرحلة، أن المملكة العربية السعودية، ولأول مرة، تتبنى بشكل واضح وصريح مبدأ الحوار الجنوبي–الجنوبي، باعتباره مدخلاً ضرورياً لتوحيد الصف الجنوبي، وترتيب البيت الداخلي، وهي خطوة تحمل دلالات إيجابية كبيرة، وتعكس رغبة سعودية حقيقية في الوصول إلى حل عادل ومستدام، يراعي تطلعات شعب الجنوب، ويجنب المنطقة مزيداً من الفوضى والاقتتال.

إن إعادة بناء وتعزيز الثقة بالمملكة العربية السعودية، ليس خياراً تكتيكياً أو موقفاً عابراً، بل هو ضرورة استراتيجية تمليها اعتبارات التاريخ والجغرافيا، وأواصر القربى والمصير المشترك، قبل أن تفرضها متطلبات الأمن القومي العربي، الذي يشكل الجنوب أحد أهم ركائزه وخطوط دفاعه المتقدمة.

وعليه، فإن المرحلة الراهنة تتطلب منا جميعاً خطاباً مسؤولاً، ومواقف متزنة، تبتعد عن التصعيد غير المحسوب، وتقترب من لغة الشراكة والعقل والحكمة. فبالعقل تُصان التضحيات، وبالحكمة تُدار التحالفات، وبالثقة المتبادلة يمكن لقضية شعبنا أن تمضي نحو هدفها العادل، بثبات، وبأقل الخسائر، وبما يخدم مستقبل الجنوب، وأمن المنطقة، واستقرارها على المدى البعيد.

فلنجدد الأمل، ولنحسن قراءة اللحظة، ولنتعامل مع الأشقاء في المملكة العربية السعودية بروح المسؤولية والثقة، لا باعتبارهم طرفاً عابراً، بل بوصفهم ركيزة التحالف العربي، وشريكاً أساسياً في صياغة مستقبل المنطقة.


د.علي صالح الخلاقي

13يناير2025م