عندما أُعلن عن تأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي قبل نحو ثماني سنوات، استبشر كثير من أبناء المحافظات الجنوبية خيرًا، وعلّقوا عليه آمالًا عريضة في أن يكون حاملًا أمينًا للقضية الجنوبية، ومعبّرًا صادقًا عن تطلعات شعب عانى طويلًا من الإقصاء والتهميش، غير أن هذه الآمال سرعان ما تبددت مع مرور الوقت، بعدما انحرف مسار المجلس بعيدًا عن جوهر القضية الجنوبية وأهدافها الوطنية الجامعة.
فقد تحوّل المجلس الانتقالي، للأسف، من إطار يفترض أن يمثل كل الجنوبيين، إلى كيان ضيق يحتكر القرار لصالح فئة ومنطقة بعينها، وينفذ أجندات خارجية أضرت بالوطن وبأمن الإقليم واستقراره، كما مارس سياسة الإقصاء بحق مكونات جنوبية فاعلة ونزيهة تحظى بقبول واسع في الشارع الجنوبي، ما عمق الانقسامات بدل أن يداويها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل مضى المجلس في تشكيل مليشيات متعددة يقودها عسكريون ارتبطت أسماؤهم بتاريخ طويل من الفساد الإداري والأخلاقي، وقد مارست هذه التشكيلات نفوذها عبر البسط على المتنفسات العامة، والأحواش التابعة للوزارات والهيئات الحكومية، فضلًا عن الاستيلاء على مخططات سكنية تعود لموظفين وأكاديميين، والأسوأ من ذلك أن هذه المليشيات دخلت في صراعات داخلية فيما بينها، أشعلت حروبًا جانبية عبثية، كان المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر منها.
وفي ظل هذا الواقع، تفشت الجبايات والإتاوات في عهد المجلس الانتقالي، وراكم بعض قادته ثروات طائلة جرى المضاربة بها وتحويلها إلى عملات صعبة، ما أسهم في ارتفاع سعر الصرف وانهيار الريال اليمني بصورة مروعة، وانعكس ذلك مباشرة على حياة الناس، فانتشر الفقر وتفاقمت الأزمات المعيشية والصحية، وتآكل ما تبقى من قدرة المواطن على الصمود.
من هنا، لم يكن مستغربًا أن يستقبل المواطن البسيط قرار حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي بقدر من الارتياح والأمل، باعتباره خطوة في الاتجاه الصحيح نحو تصحيح المسار، فالحل الحقيقي لا يكمن في كيانات إقصائية أو مشاريع ضيقة، بل في التوجه الجاد نحو حوار جنوبي شامل، يلمّ الشمل، ويؤسس لمكوّن وطني جامع يمثل كل فئات المجتمع الجنوبي دون استثناء.
إن حلّ القضية الجنوبية حلًا عادلًا وشاملًا يمر عبر شراكة حقيقية في السلطة والثروة، وفي إطار دولة يمنية اتحادية تضمن العدالة والمواطنة المتساوية، عندها فقط يمكن للمواطن أن ينعم بالأمن والخدمات، وأن تطوى صفحات الإقصاء والتهميش والظلم والحروب، ويفتح أفق جديد للاستقرار والتنمية.
*د. غسان ناصر عبادي*