تشير المعطيات إلى أن مؤتمر الحوار الجنوبي سيكون نقطة تحول تاريخية في بلورة موقف جنوبي موحد، وليست فرصة جديدة مهدورة تعيد انتاج منطق التسويات المؤجلة؛ وذلك من خلال خريطة طريق واضحة المعالم، تؤسس لها وثيقة موقف سياسي جنوبي واضح وجامع، وآلية تمثيلية تضمن استمرار الحوار الجنوبي بوصفه عملية سياسية لا حدثا عابرا. وتفتح أفقاً جديداً واعدا لإعادة ترتيب المشهد الجنوبي أولا، والتأسيس عليه في المشهد اليمني بوجه عام، وبلورة موقف أكثر تماسكاً بعد سنوات من التشتت والتنازع على التمثيل والشرعية. فالمؤتمر، في جوهره، ليس مجرد لقاء للنخب، بل محاولة جادة-إن أحسن استثمارها-لتحويل الانقسام الجنوبي من حالة صراع مفتوح إلى عملية سياسية منظمة.
وتبقى القضية الجنوبية قضية سياسية بامتياز، ذات جذور تاريخية وحقوقية عميقة سبقت الحرب الحوثية والانقلاب السياسي، ولا يجوز اختزالها في سياق الصراع الراهن أو توظيفها كورقة ثانوية في معادلات إقليمية متغيرة. هذه القضية تشكلت منذ اختلال ميزان الشراكة بعد وحدة 1990، وتفاقمت مع حرب 1994 التي رسخت منطق الغلبة العسكرية على حساب التوافق السياسي، وما تبعها من سياسات إقصاء وتهميش ممنهجة.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الأهمية السياسية لمخرجات الحوار الوطني الشامل 2013، التي مثلت اعترافاً تاريخياً غير مسبوق بعدالة القضية الجنوبية، وحمّلت الدولة مسؤولية الانتهاكات التي أعقبت حرب 1994، كاسرة بذلك خطاب التخوين والاتهام بالانفصال، لصالح مقاربة سياسية قائمة على الحقوق والمواطنة. غير أن المشكلة لم تكن يوماً في غياب الوثائق أو نقص التشخيص، بل في غياب الإرادة السياسية الصادقة لتنفيذ ما تم التوافق عليه، وهو ما أفرغ تلك المخرجات من مضمونها العملي.
لاحقاً، تعمّق الانحراف حين جرى استبدال مؤسسات الدولة بتشكيلات عسكرية موازية، فتحولت السياسة إلى ملحق للقوة المسلحة، وتراجع منطق الدولة لصالح منطق السيطرة. هذا التحول نحو الملشنة، المرتبط بالسيطرة على المدن والموانئ والسواحل والمواقع الاستراتيجية، لا يهدد مستقبل القضية الجنوبية فحسب، بل يضع دول التحالف أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية في حماية سيادة الدولة اليمنية ومنع تفككها، بدل الاكتفاء بإدارة النفوذ أو موازنة القوى.
يتبع/ القضية الجنوبية من خطاب المظلومية الى مشروع سياسي.
مجيب الرحمن الوصابي