تعد مدينة تعز، بقلب اليمن النابض، نموذجًا مؤلمًا لتداخل الصراعات الأمنية والسياسية، حيث تحولت المدينة التي طالما كانت منارة للعلم والثقافة إلى مسرح لتصاعد ظواهر الإرهاب والتضييق على الحريات، وغالباً ما يتم ذلك تحت مظلة القانون أو باسم الجهات الرسمية. لقد أصبحت تعز، بمرارتها اليومية، تجسيدًا حيًا لواقع تتشابك فيه الجريمة المنظمة مع أطراف سياسية تسعى لتصفية الحسابات تحت ستار الحرب والملاحقات الأمنية. إن القراءة المتعمقة للمشهد المحلي تكشف عن نمط مقلق يتمثل في استهداف النشطاء والصحفيين وتدنيس حرمة ممتلكات المواطنين، مما يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة السلطة والأمن في المحافظة.
لقد بلغ الاستياء العام في تعز مداه بسبب الشعور السائد بأن الإرهاب لم يعد ظاهرة عشوائية، بل أصبح سلوكًا منظمًا يُمارس بضوء أخضر أو بتغطية من جهات يفترض بها حفظ الأمن. إن وصف الوضع بأنه تحول فيه الإرهاب إلى جريمة تُشرعن باسم القانون ليس مجرد اتهام عابر، بل هو انعكاس لحجم الانتهاكات التي يتعرض لها المواطنون. فعمليات المداهمة والتفتيش العشوائيين لمنازل الناشطين والصحفيين أصبحت سمة شبه يومية، مستهدفة بشكل خاص أولئك الذين يمتلكون صوتاً ناقدًا أو يوثقون الخروقات. هذا الاستهداف الممنهج للأقلام الحرة يهدف بشكل واضح إلى خنق أي صوت معارض أو كاشف للحقائق، مما يخلق مناخًا من الخوف يخدم أجندات القوة المسيطرة.
من المفارقات الصارخة في تعز هو التباين الواضح بين مستوى الحماية الممنوحة للمجرمين وتلك المطبقة على أصحاب الرأي. المدينة تعج بالقتلة والمجرمين الذين يسرحون ويمرحون دون حسيب أو رقيب، مستغلين حالة الفوضى الأمنية والسياسية. هذا الانفلات الأمني يخلق بيئة خصبة لنمو الجماعات المتطرفة والجماعات التي تعمل خارج إطار القانون. وفي المقابل، نجد أن التنظيمات ذات الأجندات السياسية الواضحة، مثل ما يوصف بالإرهاب الإخواني المتمثل في حزب الإصلاح الذي يمتلك نفوذًا كبيرًا في مفاصل السلطة والأمن في بعض المناطق، تستغل هذا الغطاء لتنفيذ حملات تصفية حسابات ممنهجة. يتم توجيه أدوات الدولة الأمنية والعسكرية نحو تتبع وملاحقة المعارضين السياسيين والمدنيين الذين يرفضون الانصياع لإملاءاتهم، مما يمثل تحولاً خطيرًا في وظيفة الجيش الوطني المفترض أن يكون درعًا لحماية الشعب وليس أداة لقمع معارضيه. تزداد خطورة هذا المشهد عندما يتم استخدام زي ومسميات الجيش الوطني للتغطية على هذه الأعمال الموجهة.
إن ارتكاب أعمال عنف أو انتهاكات باسم المؤسسة العسكرية يمثل ضربة قاصمة للثقة بين المواطن والدولة. فعندما يتم العبث بممتلكات الناس وتفتيش منازلهم دون أوامر قضائية واضحة، أو عندما تُختطف الأقلام الحرة، يصبح الشك يقيناً بأن هناك جهات تستغل صلاحياتها العسكرية والأمنية لخدمة مصالحها الفئوية، وليس لحماية أمن واستقرار المدينة. هذا التغطية تضفي شرعية زائفة على ممارسات إرهابية موجهة، تحول القانون إلى سيف مسلط على رقاب المعارضين بدلاً من أن يكون حصنًا للمواطن.
إن تعز، بتاريخها الطويل في رفض الانصياع للوصاية أو الإملاءات الخارجية، تواجه اليوم تحديًا وجوديًا. لقد كان رفض المحافظة لتنفيذ قرارات لا تتوافق مع مصلحة أبنائها دائمًا مصدر إزعاج للقوى التي تسعى لفرض سيطرتها المطلقة. هذا الموقف المستقل الذي طالما ميز تعز، أضحى اليوم سببًا رئيسيًا وراء تعرضها لعمليات التضييق والعبث المتعمد. إن ما يجري الآن هو استغلال للحرب كستار لتطبيق أجندات سياسية تسعى إلى إخضاع المدينة وإسكات أصواتها الناقدة، خاصة تلك الأصوات التي تصر على المطالبة بدولة مؤسسات تحترم القانون والحريات الأساسية.
العبث بممتلكات الناس، سواء كان ذلك عبر السطو المباشر أو عبر عمليات التفتيش المهينة التي تخلف آثارًا نفسية ومادية، هو جزء لا يتجزأ من استراتيجية الترهيب. هذه الممارسات تخلق حالة من عدم اليقين وانعدام الأمان تجعل المواطن غير قادر على ممارسة حقوقه الطبيعية في الحياة الكريمة. إن الصحفي الذي يرى بيته يتعرض للتفتيش الانتقامي لمجرد نشره تقريرًا عن فساد، أو الناشط الذي يُجبر على الفرار خوفًا من الاعتقال التعسفي، يمثلون جميعًا ضحايا لعملية إرهاب منظمة تُمارس ببطء وتحت غطاء رسمي.
إن الوضع الراهن في تعز يتطلب وقفة حازمة من جميع الأطراف الشرعية المتبقية في الدولة اليمنية. لا يمكن القبول بأن تتحول المحافظة إلى حقل تجارب للقوى المتصارعة التي تستخدم العنف والتضييق كأدوات للسيطرة. إن تجريم الناشطين والصحفيين وتوفير الغطاء للمجرمين تحت ستار القانون ليس مجرد خرق أمني، بل هو خرق دستوري وأخلاقي يهدد النسيج الاجتماعي للمدينة. يجب وضع حد فوري ومحاسبة دقيقة لكل من يتاجر باسم الدولة لتنفيذ أجندات إرهابية أو تصفية حسابات سياسية، وإلا فإن تعز ستظل رهينة لهذه اللعبة الخطيرة التي تخنق صوت الحق وتوسع نفوذ الفوضى المنظمة. الحفاظ على تعز يبدأ بإعادة سيادة القانون الحقيقي، لا القوانين المصممة لخدمة مصالح محدد.