آخر تحديث :الإثنين-12 يناير 2026-12:11ص

حضرموت.. حين ينتصر التسامح

الأحد - 11 يناير 2026 - الساعة 03:38 م
صلاح مبارك

بقلم: صلاح مبارك
- ارشيف الكاتب


لفت انتباهي منشورٌ في الفيسبوك للشيخ علي القرزي (الحمومي بوهطفة)، دعا فيه النشطاء والإعلاميين وأصحاب الصفحات الداعمين لحلف قبائل حضرموت إلى الترفّع عن الخطاب المسيء، والابتعاد عن التشهير والقدح والإساءة لأي حضرمي، بوصف أن ذلك يتنافى مع القيم الحضرمية النبيلة التي عُرف بها المجتمع الحضرمي وقياداته ؛ وهي دعوة تعكس وعيًا بأهمية الكلمة و خطورتها، خاصة في المراحل الحساسة.


لقد أعاد هذا الطرح التذكير بما قاله نبراس حضرموت وزعيمها الشيخ عمرو بن حبريش، حين شدّد على أن «الحضارم إخوة، وحضرموت تتسع لجميع أبنائها، وعفا الله عمّا سلف»، وهي عبارة تختزل مشروعًا أخلاقيًا جامعًا قبل أن يكون موقفًا سياسيًا أو أمنيًا ؛ فالدعوة إلى فتح صفحة جديدة، ورفض منطق الانتقام، والتأكيد على أن الحقد ليس من طباع أهل حضرموت، تمثّل مرتكزًا اجتماعيًا متينًا لبناء مستقبل آمن ومستقر..


ورغم بساطة كلمات الشيخ بن حبريش في ظاهرها، فإنها حملت دلالات عميقة، إذ رسمت حدًا واضحًا بين العفو المجتمعي والمساءلة القانونية ، فمن أخطأ كمواطن يمكن أن يُلتمس له العذر إذا راجع نفسه وغيّر سلوكه والتحق بأهله في حماية أرضه، أما من خان الأمانة والمسؤولية من القادة العسكريين أو المدنيين، فحسابه عند الدولة ووفقًا للنظام والقانون ، وهي معادلة متوازنة تؤكد أن التسامح لا يعني التفريط، وأن العفو لا يلغي العدالة.


هذا النهج يستحضر نماذج راسخة في الذاكرة العربية والإسلامية، حيث قُدِّم العفو تاريخيًا بوصفه مدخلًا للاستقرار وبداية لمرحلة جديدة، لا علامة ضعف أو تنازل عن الحقوق ؛ فالعدالة، كما أرساها العقل العربي والإسلامي، لا تكتمل إلا بصون الكرامة، والاحتكام إلى القانون، لا إلى الأهواء وردود الأفعال.


وتبرز هنا مسؤولية الإعلام والنشطاء كشركاء حقيقيين في صناعة الوعي العام؛ فالإعلام إمّا أن يكون جسرًا للتلاقي ورأب الصدع، أو وقودًا للفرقة وتعميق الانقسام .. وتقتضي المسؤولية المهنية والأخلاقية اليوم تبنّي خطاب هادئ وجامع، يبتعد عن نبش الماضي وإثارة المنغصات التي لا تخدم حضرموت ولا مستقبل أبنائها.


إن حضرموت، وهي تدخل مرحلة واضحة المعالم، أحوج ما تكون إلى خطاب وطني جامع يقوم على الأخوّة، وحماية الأرض، واحترام القانون .. فبالتسامح تُطفأ الفتن، وبالتآخي تُصان الجبهة الداخلية، وبسيادة القانون وحدها يُكتب للمستقبل أن يكون أكثر أمنًا واستقرارًا.