آخر تحديث :الإثنين-12 يناير 2026-12:11ص

الدستور أولًا… يا د. العليمي

الأحد - 11 يناير 2026 - الساعة 02:49 م
د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود

بقلم: د. محمد جمال عبدالناصر بن عبود
- ارشيف الكاتب


الدم والمال والكرامة مسؤولية لا تسقط فهذه ليست رسالة نداء عاطفيًا، ولا تصفية حسابات سياسية، بل هي خطاب وطني يستند إلى الدستور، ويستحضر دماء المظلومين، وحقوق المنهوبين، وكرامة شعب أنهكته الحرب والفساد معًا.

إن الدم اليمني الذي سُفك بغير حق لم يكن حادثًا عابرًا، بل جريمة مستمرة، والدستور اليمني يؤكد أن حياة الإنسان مصونة، وأن الدولة تلتزم بحمايتها، وأن كل اعتداء على النفس جريمة لا تسقط بالتقادم ولا تُغطّى بالمناصب أو الحصانات. وعليه، فإن أي مشروع لإقامة الدولة لا يمكن أن يبدأ دون محاسبة كل من شارك أو نفّذ أو موّل أو برّر استباحة الدم اليمني، كائنًا من كان، حتى لو كان من الدائرة الأقرب للسلطة.

وينص الدستور صراحة على أن المال العام ملك للشعب، وأن الدولة مسؤولة عن حمايته، وأن العبث به أو الاستيلاء عليه جريمة. وفي هذا السياق، فإن ما يمارسه بعض المسؤولين وأتباعهم من بذخ فاضح في فنادق الخارج، وعلى رأسها القاهرة، باستخدام أموال الشعب، يُعد خرقًا دستوريًا وأخلاقيًا، ويستوجب المساءلة والمحاسبة والمصادرة، لا الصمت ولا التبرير.

كما أن نهب الأراضي والمباني والممتلكات الخاصة من الأبرياء، سواء داخل اليمن أو خارجه، يمثل انتهاكًا مباشرًا لنص الدستور الذي يكفل الملكية الخاصة ويحرم نزعها إلا للمنفعة العامة وبمقابل عادل وبإجراءات قانونية واضحة. وما جرى من مصادرات قسرية واستيلاء نافذين على أملاك مواطنين دون وجه حق هو عدوان مركّب: عدوان على القانون، وعلى العدالة، وعلى فكرة الدولة ذاتها. وإقامة الدولة تقتضي حصر هذه الممتلكات، ومصادرتها ممن اغتصبوها، وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين.

ويؤكد الدستور مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، دون تمييز بسبب المنصب أو القرابة. غير أن الواقع يكشف عن امتيازات غير مشروعة مُنحت لأعضاء في الحكومة وأبنائهم، وكأنهم وُلدوا ملاكًا للثروة والنفوذ “أبًا عن جد”، دون أي عمل أو كفاءة أو مسار قانوني. هذه الامتيازات، من رواتب ومخصصات وأراضٍ ونفوذ، ليست حقًا مكتسبًا، بل اعتداء صريح على مبدأ تكافؤ الفرص الذي نص عليه الدستور.

وفي ملف اليمنيين في الخارج، ينص الدستور على أن الجنسية حق أصيل، والهوية حق قانوني لا يُباع ولا يُشترى. ومع ذلك، فُرضت مبالغ مالية باهظة على استخراج بطاقات الهوية الوطنية، تجاوزت المئة دولار، في مخالفة واضحة للدستور الذي يقرر أن الوثائق الأساسية تُمنح وفق القانون لا وفق الجباية. إن منح الهوية الوطنية مجانًا ليس تفضلًا من الدولة، بل التزام دستوري واجب النفاذ.

أما ما جرى تحت مسمى “مدارس اليمنيين في مصر”، فقد انحرف في كثير من الحالات عن غايته الإنسانية، وتحول إلى باب استغلال مالي، في مخالفة لالتزام الدولة الدستوري برعاية التعليم، وحماية المواطنين في الداخل والخارج، لا تحميلهم أعباء إضافية تحت لافتات إنقاذية زائفة.

ويزداد الخلل وضوحًا في السفارات والبعثات الدبلوماسية، حيث ينص الدستور على أن الوظيفة العامة تكليف لخدمة الشعب، وأن شغلها يجب أن يكون على أساس الكفاءة والنزاهة. إلا أن الواقع يكشف عن توظيف من “هب ودب”، وصرف آلاف الدولارات لأشخاص غير عاملين فعليًا، وتكديس وظائف وهمية لأقارب ومحسوبين، لا في سفارة القاهرة وحدها، بل في عدد من السفارات. هذا السلوك لا يُعد فسادًا إداريًا فقط، بل نهبًا منظمًا للمال العام تحت غطاء التمثيل الدبلوماسي.

إن استعادة الدولة لا تكون بالشعارات، بل بتطبيق الدستور نصًا وروحًا، وبمحاسبة كل من أجرم في حق الدم اليمني، أو نهب المال العام، أو استباح الأرض، أو حوّل الوظيفة العامة إلى غنيمة. وإن لم تُفعَّل العدالة الرسمية، فإن الشعوب – كما علّمنا التاريخ – تبتكر أدواتها، ويظل الأحرار متترسين بحقهم، ينتزعون السيادة من الخيانة والخونة قبل الأعداء.

إن الواجب الوطني والتاريخي يفرض عليكم أن تقفوا موقف الدولة لا موقف الأفراد، وأن تُحيلوا المتورطين إلى المحاسبة العلنية، وأن تُعاد الحقوق إلى أهلها، فالدولة التي لا تحاسب فاسديها، تفقد حقها في مطالبة شعبها بالصبر.

هذه رسالة دستور…

ورسالة دم…

ورسالة وطن.

ولازال للأحرار المخلصين اقلاما وبنادق في الميدان.


بقلم د.المستشار محمد جمال عبدالناصر بن عبود