لعدن وأهلها مظلومية اعترف بها القاصي والداني، وتداولها الناس همساً وجهراً، ووعاها كبار السن ممن عاشوا التحولات الكبرى، كما لمسها الأبناء في تفاصيل واقعهم القاسي. بعض من شهدوا تلك المظلومية أقرّوا بها وهم في مواقع المسؤولية العامة، وآخرون لم يجدوا الجرأة على البوح إلا بعد مغادرتهم مواقعهم، لكن الاعتراف ـ مهما تأخر ـ يظل شاهداً على حقيقة لا يمكن إنكارها.
مظلومية عدن ليست حادثة عابرة، ولا وليدة مرحلة سياسية واحدة، ولا يمكن اختزالها في تاريخ 30 نوفمبر 1967م، كما يحاول البعض أن يفعل لتبسيط قضية معقدة. إنها مظلومية ممتدة في الزمن، ذات جذور عميقة، بدأت قبل ذلك التاريخ بسنوات طويلة، وتعاقبت عليها مراحل مختلفة، لكل مرحلة أدواتها وأساليبها، لكن جميعها اشتركت في نتيجة واحدة: إقصاء عدن، وتهميش دورها، وإضعاف إنسانها.
منذ البدايات الأولى لتلك التحولات، بدأت عملية تفكيك بطيئة لدور المدينة. جرى استبعاد الكفاءات الإدارية والاقتصادية، وضُربت المؤسسات التي كانت تشكّل عماد النظام المدني، وتعرضت البنية الاجتماعية لتشويه ممنهج، أفقد عدن خصوصيتها التي عُرفت بها كمدينة للتنوع والتعايش والانفتاح. لم يكن ما حدث مجرد أخطاء إدارية أو قرارات مرتجلة، بل مساراً تراكمياً خلّف آثاراً بالغة العمق، ما زالت ماثلة في الواقع المعيشي والخدمي والاقتصادي حتى اليوم.
عدن، التي كانت ذات يوم رئة اقتصادية وميناءً عالمياً ومركزاً إدارياً متقدماً، تحولت مع مرور الوقت إلى مدينة مثقلة بالأزمات. الخدمات الأساسية تراجعت، التخطيط الحضري غاب، والفرص ضاقت أمام الشباب، فيما ظل أهلها يدفعون ثمن صراعات لم يكونوا طرفاً في صناعتها. هذا الواقع لم يخلق فقط معاناة مادية، بل أنتج شعوراً متراكماً بالغبن، وانكساراً في الثقة بين المواطن والسلطة، أيّاً كان شكلها أو مسماها.
المؤلم في هذه المظلومية أنها لم تُواجَه بشجاعة كافية. كثير من الخطابات مرّت عليها مرور الكرام، أو تعاملت معها بوصفها قضية ثانوية، أو ملفاً مؤجلاً إلى وقت غير معلوم. جرى الالتفاف عليها بالشعارات، واستخدامها أحياناً كورقة سياسية، دون الذهاب إلى جوهر المشكلة: غياب العدالة، وغياب الرؤية العادلة لإدارة مدينة بحجم وأهمية عدن.
عدن لم تطلب يوماً امتيازاً (على حساب غيرها)، ولم تسعَ لأن تكون (في موقع خصومة) مع أحد. كل ما طالب به أهلها هو الإنصاف، واحترام تاريخ مدينتهم، وإشراكهم الحقيقي في تقرير شؤونها، وإدارة مواردها بعقل الدولة لا بمنطق الغلبة أو المحاصصة. لكن ما واجهوه في كثير من الأحيان كان تهميشاً مضاعفاً: تهميشاً في القرار، وتهميشاً في التنمية، وتهميشاً في الخطاب.
اليوم، ومع كل حديث عن مستقبل، أو عن تسويات، أو عن إعادة ترتيب المشهد، يظل السؤال قائماً بإلحاح: من سيتحدث عن عدن بصدق؟ من سيضع مظلوميتها في صلب أي رؤية قادمة، لا في هامشها؟ فالتجارب أثبتت أن تجاهل الجراح لا يداويها، وأن القفز فوق الألم لا يصنع استقراراً، بل يؤجل الانفجار.
إن إنصاف عدن ليس مسألة عاطفية، ولا مطلباً فئوياً، بل ضرورة سياسية واجتماعية وأخلاقية. هو شرط لأي مستقبل مستقر، وأي مشروع جامع. عدن بحاجة إلى اعتراف صريح بما لحق بها، وإلى مقاربة جادة تعيد لها دورها، وتعيد لأهلها الثقة بأن صوتهم مسموع، وأن مدينتهم ليست عبئاً، بل ركيزة أساسية لأي بناء قادم.
عدن لا تحتاج فقط من يتحدث باسمها، بل من يفهمها، ويؤمن أن كرامة المدينة من كرامة أهلها، وأن تأجيل إنصافها لم يعد خياراً ممكناً.