آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-08:12م

عودة الانتقالي للساحات يدفع حضرموت والمهرة وسقطرى الى التمسك بعدم المشاركة في الحوار الجنوبي الجنوبي

السبت - 10 يناير 2026 - الساعة 07:26 م
صالح عبد الله باحتيلي

بقلم: صالح عبد الله باحتيلي
- ارشيف الكاتب



شهدت حضرموت والمهرة وسقطرى مع نهاية العام 2025 تحوّلًا سياسيًا وأمنيًا عميق الدلالة، لم يكن نتاج حدث عسكري عابر، بل نتيجة تراكم طويل من الرفض الشعبي للاستبداد المسلح الذي فرضه المجلس الانتقالي الجنوبي على هذه الأقاليم بالقوة. فحين أقدمت مليشيات المجلس الانتقالي على غزو حضرموت ومحاولة إخضاعها لمنطق الأمر الواقع، لم تكن المواجهة دفاعًا عن الجغرافيا فحسب، بل عن فكرة الدولة، وعن الحق في الوجود السياسي الحر بعيدًا عن مشاريع الهيمنة المناطقية. ومع انتشار قوات درع الوطن المدعومة من المملكة العربية السعودية، بدا واضحًا أن ميزان القوة بدأ يميل لصالح الدولة ومؤسساتها، وأن مرحلة المليشيات تقترب من نهايتها.

هذا التحول خلق حالة من التفاؤل العام في الشارع اليمني، وخصوصًا في المحافظات الجنوبية التي أنهكتها سنوات من الانفلات الأمني والتوظيف السياسي للسلاح. فقد تراجعت مظاهر القمع، وبدأ الاستقرار الأمني يتشكل تدريجيًا، ووجدت قوات درع الوطن قبولًا شعبيًا واسعًا باعتبارها قوة نظامية لا أداة فصيل. ومع تقدم هذه القوات من الشرق إلى الغرب مرورًا بمحافظات الجنوب، وتلقيها ترحيبًا شعبيًا لافتًا، ترسخت قناعة عامة بأن الجنوب يدخل مرحلة جديدة مختلفة عن تلك التي حكمتها عقلية المليشيا.

بلغ هذا المسار ذروته عند وصول قوات درع الوطن إلى مشارف عدن، حيث أعلنت معظم التشكيلات العسكرية التي كانت تدين بالولاء للمجلس الانتقالي انضمامها إلى القوات الحكومية، وفي اليوم ذاته صدر إعلان من قيادات الصف الأول بالمجلس الانتقالي الجنوبي المتواجدة في الرياض يقضي بحل المجلس الانتقالي الجنوبي وإغلاق جميع مكاتبه ومقراته وفروعه في الداخل والخارج. بدا المشهد وكأنه إعلان نهاية مشروع سياسي تأسس على القوة المسلحة لا على التوافق الشعبي، وتلاشت الأصوات المؤيدة له إلى حد كبير، وتحول مقره الرئيسي في عدن، بما في ذلك مكتب رئيسه عيدروس الزبيدي، إلى منشأة تستخدمها قوات العمالقة التي كانت تُحسب عليه في السابق وأصبحت جزءًا من البنية العسكرية الرسمية.

في تلك اللحظة، اتجهت الأنظار إلى الرياض مع الدعوة إلى حوار جنوبي–جنوبي، وداخل حضرموت تحديدًا ساد شعور نسبي بالاطمئنان، إذ اعتقدت قطاعات واسعة من النخب والمجتمع أن انتهاء استبداد المجلس الانتقالي يفتح الباب أمام مرحلة سياسية أكثر توازنًا، وقد يدفع نحو مقاربة عقلانية للحوار، لا تقوم على الإقصاء أو فرض الوقائع بالقوة. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدد مع أحداث العاشر من يناير 2026، حين خرجت تظاهرات رفعت من جديد شعارات وهتافات تمجّد المجلس الانتقالي ورموزه، رغم صدور قرارات واضحة في الليلة السابقة بمنع التظاهر مؤقتًا حفاظًا على الأمن والاستقرار.

لم تُقرأ تلك الهتافات في حضرموت باعتبارها فعلًا احتجاجيًا عابرًا، بل كعودة صريحة لخطاب عنصري إقصائي أعاد إلى الأذهان تجربة مؤلمة لم تندمل جراحها بعد. فقد بدا وكأن بعض القوى في الجنوب لم تستوعب أسباب سقوط المجلس الانتقالي، ولا حجم الضرر الذي ألحقه بالمجتمع والنسيج الوطني، وأن المشكلة لم تكن فقط في وجود السلاح، بل في العقلية السياسية التي ترى في الآخر تابعًا لا شريكًا، وفي الجغرافيا مجالًا للسيطرة لا فضاءً للتعايش.

في تلك اللحظة، تبلور موقف حضرمي أكثر وضوحًا وحسمًا، مدعومًا بمواقف مماثلة في المهرة وسقطرى، يقوم على قناعة بأن أي حوار يكون أحد أطرافه المجلس الانتقالي، حتى بعد إعلان حله، هو في جوهره إعادة تدوير لمشروع ثبت فشله سياسيًا وأخلاقيًا. هذا الموقف لم يكن نابعًا من نزعة انتقامية أو رغبة في العزلة، بل من قراءة واقعية لتجربة موثقة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، إذ تشير تقارير السلطات المركزية ومنظمات حقوقية مستقلة إلى توثيق ما يقارب خمسة وأربعين ألف انتهاك ارتُكبت خلال فترة سيطرة المليشيات، شملت الاعتقال التعسفي والإخفاء القسري والتعذيب ومصادرة الممتلكات وقمع الحريات العامة في حضرموت والمهرة وسقطرى. إضافة الى مايقارب مائتي الف انتهاك لحقوق الانسان في عدن وماحولها منذ سبع سنوات، أربعين في المئة منها انتهاكات جسيمة .

بناءً على ذلك، أعادت حضرموت والمهرة وسقطرى تعريف موقعها من المشهد السياسي اليمني والجنوبي على حد سواء، باعتبارها أقاليم ذات وضع خاص، لا يمكن إدراجها قسرًا في صراعات داخلية لا تعبّر عنها ولا تخدم استقرارها. وأصبح واضحًا أن مسألة المشاركة في حوار جنوبي–جنوبي لم تعد مطروحة من حيث المبدأ، لأن الإطار نفسه لم يعد يحظى بالثقة، ولأن التجربة أثبتت أن أي تسوية لا تنطلق من الاعتراف المتبادل والندية محكوم عليها بالفشل.

ولذلك، وبسبب العودة إلى الهتافات العنصرية للمجلس الانتقالي في ساحة العرض بعد حله، يكون المجلس قد جنى على نفسه، إذ أغلقت حضرموت والمهرة وسقطرى أبواب أي إمكانية للبقاء في أي صيغة سياسية مع جنوب اليمن، وبدأت تتبلور داخل هذه الأقاليم دعوات جادة للتعامل مع الجنوب كإقليم مجاور ذي وضع مختلف، بما في ذلك الحديث عن ضرورة تنظيم العلاقة عبر حدود واضحة، انطلاقًا من اعتبار حضرموت والمهرة وسقطرى إقليمًا ذا وضع خاص، يسعى إلى حماية استقراره وقراره السياسي بعيدًا عن دورات الفوضى والإقصاء المتكررة.



المحامي صالح باحتيلي النعماني- محام مترافع أمام المحكمة العليا