آخر تحديث :الخميس-05 فبراير 2026-06:06م

الجنوب.. وجعٌ لا ينتهي وحلمٌ لا يموت

الجمعة - 09 يناير 2026 - الساعة 01:29 م
جلال جميل محسن

بقلم: جلال جميل محسن
- ارشيف الكاتب


ليس من حق أحد، كائنًا من كان، أن يقصف منشآت الجنوب الحيوية أو معسكراته العسكرية. وما جرى مؤخرًا في حضرموت والضالع من قصف جوي سعودي، لا يمكن توصيفه إلا كعمل عدواني يستهدف إرادة شعبٍ عُرف عبر تاريخه بأنه عصيّ على الانكسار، ولم يركع يومًا مهما اشتدت عليه الضربات.

منذ صيف 1994م، والجنوب يواجه آلة حربٍ حاولت – ولا تزال – طمس هويته ودفن تطلعات شعبه. واليوم، تعود المشاهد ذاتها لتتكرر، وإن اختلفت الوجوه والأدوات. فالوجع واحد، والهدف واحد: كسر الإرادة الجنوبية. إن الاستهداف الجوي الذي طال قمم الضالع وامتد إلى وديان حضرموت، لا يمكن اعتباره تصعيدًا عابرًا، بل محاولة صريحة لإخضاع شعب لم يعتد الانحناء.

إن قصف المعسكرات التي شُيّدت بتضحيات الرجال ودماء الشهداء، واستهداف منشآت تمثل رمزية السيادة، هو تجاوز لكل الخطوط الحمراء، وضرب سافر لشراكة الميدان والدم التي تعمّدت في جبهات القتال. فالقصف لا يصنع شرعية، ولا يفرض شراكة، بل يهدم ما تبقى من الثقة.

نضال أبناء الجنوب، منذ عام 1990م، لم يكن رد فعل على خسارة مكاسب سياسية، بل وعيًا مبكرًا بمحاولات طمس الهوية واحتواء الدولة. فمنذ توقيع تلك الوحدة، بدأت معركة الصمود في وجه سياسات الإقصاء والتهميش والاغتيالات، إلى أن تحولت الوحدة في 1994م إلى حربٍ فرضت بالقوة. ومنذ ذلك التاريخ، ظل الجنوب يقاوم: من الحراك السلمي، إلى المقاومة التي حررت الأرض وأثبتت أن الجنوبيين لن يقبلوا العيش كملحقين في دولة لا تمثلهم.

إن دماء الأبرياء التي سُفكت في الضالع، وأنين الأرض في حضرموت وهي تُسلَب من أبنائها لصالح أدوات غريبة عنها، يكشفان حقيقة لا تقبل الجدل: هناك إصرار على فرض واقع سياسي مرفوض شعبيًا. فكيف لمن كان شريكًا في تحرير الأرض أن يتحول اليوم إلى هدف لنيران “الحليف”؟ والسعودية، التي دخلت اليمن تحت عنوان التحالف ودعم الشرعية، لا تملك حق قصف الشركاء على أرضهم، ولا تدمير مقدراتهم العسكرية.

إن تدمير القوة الجنوبية ليس سوى محاولة يائسة لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وتجريد الشعب من وسائل دفاعه عن حقه المشروع. لكن الواهمين وحدهم من يظنون أن القضايا العادلة تُمحى بالقصف، أو تُدفن بتدمير الثكنات. فالقضية الجنوبية ليست خارطة عسكرية، بل هوية راسخة في وجدان شعبٍ كامل.

قد يغيّر القصف موازين القوى مؤقتًا، لكنه لن يُخمد جذوة القضية، بل سيزيدها اشتعالًا. سيبقى الجنوب عصيًّا على الانكسار، وستظل تضحيات أبنائه منذ فجر الوحدة القسرية وقودًا لطريق الاستقلال. فالحق الذي يقف خلفه شعب حيّ لا يموت، ومهما علا صوت البارود، سيبقى صوت الجنوب أعلى… وأبقى.