تعد محافظة أبين في جنوب اليمن خزانًا بشريًا للقادة السياسيين والعسكريين الذين وضعوا بصماتهم على خارطة التاريخ اليمني الحديث، فهي لم تكن مجرد ساحة للصراعات بل كانت المصدر الأول للنخب التي تسلمت هرم السلطة في البلاد، ومن رحم هذه المحافظة خرج رؤساء ووزراء سياديون شكلوا بقراراتهم منعطفات تاريخية كبرى، ورغم تعرض الكثير منهم للإقالة أو النفي نتيجة التحولات السياسية، إلا أن تأثيرهم ظل حاضرًا كجزء أصيل من الذاكرة الوطنية.
ومن هولاء القيادات الميزان السياسي الراجح، علي ناصر محمد، والذي يعتبر من أبرز الشخصيات التي أنجبتها أبين، ولد عام 1939 في مديرية مودية وبرز كقيادي في الجبهة القومية أثناء الكفاح المسلح تقلد مناصب رفيعة منها وزير الدفاع ورئيس الوزراء حتى أصبح رئيساً لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الثمانينيات، يوصف علي ناصر بأنه رجل الدولة والمبادرات، حيث اتسمت فترة حكمه بالانفتاح الدبلوماسي والسعي نحو الاستقرار، وانتهت حقبته بالخروج من السلطة عقب أحداث يناير 1986 الأليمة التي أدت لانتقاله للعيش في الخارج كمناضل ورمز سياسي.
يليه بذلك الربان في أمواج العاصفة عبدربه منصور هادي، ليأتي بدوره ذلك الرئيس السابق كشخصية محورية أخرى من أبناء أبين، ولد عام 1945 بمديرية الوضيع وتلقى تعليماً عسكرياً رفيعاً في بريطانيا ومصر، شغل منصب وزير الدفاع ثم نائباً لرئيس الجمهورية لسنوات طويلة قبل أن يتم انتخابه رئيساً لليمن في عام 2012 خلال مرحلة انتقالية حرجة، يمتلك هادي صفة القائد الهادئ الذي أدار توازنات معقدة في ظل الحرب، وظل متمسكاً بالشرعية الدولية حتى أعلن نقل سلطاته لمجلس القيادة الرئاسي في عام 2022.
تابعاً لهِ بالايضاح المتصف بجاهر الحق في زمن الصمت أحمد الميسري، فأما الميسري فيمثل الجيل الذي جمع بين العمل الإداري والأمني، وهو من مواليد عام 1969 في مديرية مودية، تدرج في المناصب من محافظ لأبين إلى وزير للزراعة ثم نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية، يُعرف الميسري بنبرته الخطابية القوية وشخصيته الجسورة في الدفاع عن سيادة الدولة ومؤسساتها، وقد انتهت فترة عمله في الحكومة بعد تشكيل حكومة الكفاءات المنبثقة عن اتفاق الرياض في عام 2020، ليبقى صوتاً سياسياً مؤثراً من خارج السلطة.
مستحدثاً بذلك دور الكاريزما الشعبية والمهندس الميداني محمد علي أحمد، ليبرز كأحد القيادات التاريخية في أبين، حيث شغل منصب محافظ المحافظة في فترة ذهبية شهدت خلالها نهضة تنموية ورياضية واسعة، عُرف بكونه مهندس القرار الميداني، وقاد جبهات سياسية وعسكرية عديدة قبل أن يغادر اليمن بعد أحداث 1986، عاد لاحقاً ليتصدر المشهد السياسي بعد ثورة 2011 مترئساً فريق القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني، ويُنظر إليه كقائد يمتلك قدرة فائقة على الحشد الشعبي والتنظيم السياسي.
مستكملاً لايضاحاتي تلك بذكر أيضاً اللواء حسين عرب حكيم المؤسسة الأمنية، حيث شغل اللواء مكانة مرموقة كخبير أمني ودبلوماسي، وهو من مواليد مديرية مودية عام 1947 وحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية، تولى حقيبة وزارة الداخلية في فترتين مختلفتين، مما يعكس الثقة الكبيرة في قدراته على إدارة الملفات الأمنية المعقدة، يتسم حسين عرب بالاتزان والخبرة الواسعة في هيكلة الأجهزة الأمنية، وقد غادر منصبه الوزاري في أواخر عام 2017 ليعين مستشاراً لرئيس الجمهورية، مخلفاً وراءه إرثاً طويلاً من العمل في خدمة الدولة.
وبهم نختم الذكر بصمام أمان القبيلة والدولة الشيخ علي محمد القفيش، حيث يبرز الشيخ واللواء علي محمد القفيش كواحد من أهم المرجعيات القيادية في أبين، حيث جمع بين الحضور القبلي الوازن والعمل السياسي الرسمي كعضو في مجلس الشورى ومستشار لرئيس الجمهورية. عُرف القفيش بدوره المحوري في لم الشمل وإصلاح ذات البين، وكان صوتاً رزيناً في أصعب المنعطفات السياسية والعسكرية التي مرت بها المحافظة والوطن. يمثل القفيش مدرسة "السياسة الحكيمة" التي توازن بين مقتضيات الدولة وتطلعات المجتمع، وظل طوال مسيرته ركيزة أساسية من ركائز الاستقرار في المنطقة.
وقبل الختام إن استعراضي لمسيرة هؤلاء القادة يؤكد أن أبين لم تكن يوماً مجرد تابع في المشهد اليمني، بل كانت دوماً في قلب العاصفة وصناعة الحدث، ورغم أن أغلب هذه القيادات غادرت مناصبها نتيجة إقالات أو تسويات سياسية فرضتها ظروف الصراع، إلا أن مدرسة أبين القيادية تظل ولادة، قادرة في كل مرحلة على تقديم نخب جديدة تساهم في رسم مستقبل اليمن، بما يمتلكونه من إرث عسكري وسياسي متجذر في أعماق الهوية الوطنية.
ختاماً إن الحديث عن قيادات أبين لا يعد من قبيل المبالغة في الثناء، بل هو رصد لاستحقاق تاريخي فرضته التضحيات والمواقف؛ غير أن الإنصاف يقتضي القول إن هذه القيادات لم تكن منزهة عن أخطاء الحسابات السياسية التي وقعت فيها النخب اليمنية عامة، فدفعوا أحياناً ثمن "الصدق المفرط" في بيئة سياسية تتطلب المواربة، أو ثمن "الولاء المطلق" للجغرافيا في وطن يغلي بالتحولات، لم يكن إقصاؤهم أو رحيلهم عن المشهد دليلاً على فشل، بل كان انعكاساً لثمن الوقوف في مقدمة الصفوف؛ فأبين في الوعي السياسي ليست مجرد طرف، بل هي "العمود الفقري" الذي إذا استقام استقام جسد الدولة، وإذا اهتز مالت موازين القوى، وما ذكر هذه الأسماء إلا غيض من فيض رجالٍ لم تزدد معادنهم إلا جلاءً تحت ضغط الإقالات وعواصف الإبعاد.