آخر تحديث :الأربعاء-14 يناير 2026-02:00ص

الحوار الجنوبي في الرياض: العودة إلى وثيقة الحل العادل كضرورة وطنية

الثلاثاء - 06 يناير 2026 - الساعة 12:34 م
د. مجيب الرحمن الوصابي

بقلم: د. مجيب الرحمن الوصابي
- ارشيف الكاتب


مجيب الرحمن الوصابي


كانت صنعاء 2013 في ذلك الربيع الاستثنائي تفتح ذراعيها لآمال كلّ اليمنيين، لم نكن نكتب مجرد نصوص على ورق، بل كنا ننحت بالكلمات خارطة طريق لوطن يرفض الانكسار. وبصفتي واحداً ممن تشرفوا بأن يكونوا جزءاً من تلك الملحمة الوطنية السياسية، وعضواً ساهم بتواضع في صياغة "وثيقة الحوار الوطني الشامل"، أستحضر اليوم تلك اللحظات ليس من باب الذاكرة، بل من باب المسؤولية؛ فلقد كانت القضية الجنوبية هي الروح التي تمنح الحوار معناه، والبوصلة التي صاغت لنا حلم الدولة الاتحادية الديمقراطية، بوصفها المرجعية الأسمى والأساس المتين الذي يجب أن ينهض عليه أي حوار جنوبي-جنوبي قادم في الرياض.


لقد اعتمد مؤتمر الحوار نهجاً علمياً دقيقاً في معالجة القضية الجنوبية، بدأ بتشخيص جذورها التي أرجعتها الوثيقة إلى الفشل في إدارة الدولة بعد الوحدة وما نتج عنه من إقصاء سياسي، وتدهور في الخدمات، وانتشار ثقافة الثارات وتفكيك النسيج الاجتماعي. كما وثقت الوثيقة منهجياً محتوى القضية من خلال رصد الانتهاكات المادية والمعنوية، بما في ذلك عسكرة الحياة، ونهب الأراضي والممتلكات، ولضمان عدالة الطرح، خاض فريق مصغر (8+8) مناصفة بين الشمال والجنوب نقاشات عميقة برعاية دولية للوصول إلى "وثيقة الحل العادل للقضية الجنوبية" التي قامت على أنقاض المركزية المستبدة.


وبالقراءة المتأنية للأوضاع الراهنة، نجد أننا نعيش حالة من الارتداد الخطير عن تلك المبادئ؛ حيث برزت ظاهرة انفراد مكونات بعينها بصناعة القرار ومحاولة فرضه بقوة السلاح وفرض سياسة الأمر الواقع، وهو مسار أثبتت التجربة المعاصرة فشله الذريع، إذ أدى إلى نتائج كارثية تمثلت في تمزيق النسيج الاجتماعي الجنوبي وقبله اليمني، وتعميق الأزمات المعيشية، وضياع بوصلة التوافق الوطني. إن هذا الانفراد الذي يتجاوز مبدأ الشراكة التي نصت عليها مخرجات الحوار قد أعاد إنتاج دورات الصراع التي حذرنا منها، وأثبت أن استبعاد الشركاء الفاعلين وتهميش الرؤى المتعددة لا يبني وطناً بل يراكم المظالم. ومن هنا، فإن استلهام مخرجات الحوار الوطني كقاعدة لحوار الرياض القادم يفرض ضرورة التخلي عن نهج القوة والعودة إلى "مبدأ التوافق الخلاق"، والإقرار بأن القضية الجنوبية هي المفتاح الأساسي للحل، شرط أن تدار عبر مشاركة وطنية واسعة لا تستثني أحداً، مع التمسك الصارم بحزمة الإجراءات الحقوقية (النقاط العشرين والإحدى عشرة) لمعالجة قضايا المبعدين والمعتقلين واسترداد الحقوق المنهوبة، باعتبار ذلك المخرج الوحيد من نفق الصراعات الراهنة نحو مستقبل آمن ومستقر.