ظلت القضية الجنوبية حاضرة بقوة في المشهد السياسي اليمني عبر مختلف المراحل بوصفها قضية محورية لا يمكن تجاوزها نظرًا لما تمثله من ضرورة تاريخية لمعالجة آثار التحولات العسكرية والسياسية التي شهدها اليمن منذ حرب 1994 وما تلاها من إقصاء وتهميش طال الجنوب أرضًا وإنسانًا.
غير أن هذه القضية العادلة التي انطلقت من معاناة شعب وتضحيات جسيمة تعرضت خلال السنوات الماضية لواحد من أخطر أشكال الاستهداف والمتمثل في الابتزاز السياسي الذي مارسه بعض السياسيين الوصوليين ممن اتخذوا من القضية الجنوبية شعارًا للوصول إلى مكاسب شخصية ومناصب آنية على حساب جوهر القضية وأهدافها الوطنية. الأمر الذي أدى للأسف إلى إضعاف القضية وتحويلها من مشروع وطني إلى ساحة مساومات وصراعات ضيقة أشبه بـ“سوق نخاسة سياسية”.
والكارثة الأكبر تمثلت في زجّ القضية الجنوبية في دهاليز الصراع الدولي حيث تحولت من قضية شعب يطالب بحقه المشروع إلى ورقة ضغط تُستخدم في حسابات إقليمية ودولية ووسيلة ابتزاز سياسي واقتصادي، ما أفقدها الكثير من زخمها الأخلاقي والإنساني وفتح الباب أمام الارتزاق باسمها.
من هنا تأتي أهمية الحوار الجنوبي باعتباره خطوة مفصلية وانتصارًا حقيقيًا للقضية الجنوبية إذا ما أُحسن توظيفه بعيدًا عن الحسابات الشخصية والانتقامات السياسية. فالحوار الجاد والمسؤول كفيل بإعادة تصحيح المسار وتوحيد الخطاب الجنوبي وصياغة رؤية وطنية جامعة تعبّر عن تطلعات الجنوبيين بكل مكوناتهم دون إقصاء أو وصاية.
لقد آن الأوان أن يدرك الجميع أن الجنوب لا يحتمل مزيدًا من التشظي ولا صراعات الزعامة وأن المرحلة الراهنة تتطلب توحيد الصف والرؤية والهدف والالتفاف الصادق حول القضية الجنوبية باعتبارها قضية شعب لا مشروع أفراد. فالجنوب اليوم ينادي أبناءه لتحمّل مسؤولياتهم التاريخية والعمل بروح وطنية عالية، حتى ينال الشعب الجنوبي حقه العادل في المشاركة في السلطة والثروة ويعيش حرًا كريمًا شامخًا على أرضه.