بقلم/محمد الدلالي .
أكتبُ اليوم عن ظاهرةٍ نادرةٍ في عالمٍ فقدَ الكثيرُ من رجاله معنى الرجولة.. أتحدث عن دبلوماسي من الطراز القديم، طراز "أهل المروءات" لا "أهل المناورات"، عن سعادة السفير فضل الحنق - سفير اليمن في الصومال - الذي أصبحتُ أرى فيه، على مدار تسع سنواتٍ من المتابعة والمراقبة، نموذجاً حياً لمعنى "الدولة العميقة" بمعناها الأصيل، دولة القيم والمبادئ والرجال الذين يحملون تراب أوطانهم في قلوبهم قبل أن يحملوا أوراق اعتمادهم في حقائبهم .
الرجل الذي اختار أن يكون "أخاً" في زمنٍ صار فيه الكبار "أرقاماً" ، في عمرٍ يمكن أن يكون فيه أباً للكثيرين، اختار السفير فضل الحنق أن يكون الأخ الحنون، الصديق الوفي، هذه ليست مجازفةٌ في التعبير، بل هي الملاحظة الدقيقة التي سجلتها على مدار تسع سنين، تسع سنينٌ وأنا أراقب الرجل عن كثب، أتحرى مساراته، وأقرأ ردود أفعاله، وأختبر ثباته في العاصفة، فما وجدت يوماً هفوة لسان، ولا سوء خلق، ولا انزلاقاً في الرد على اختلاف الرأي، حتى في أوج الاختلاف – وهو حتمي في عالم السياسة والدبلوماسية – كان الخلافُ يُحمَلُ بأدب الاختلاف، ويرفعه خلق الوفاق، سَلوني: أين نجد اليوم هذا النموذج في عالمٍ صار الـ "لا أدب" فيه لغة التفاوض، والصراخ أسلوب الحوار؟
الكاريزما الحقيقية أن تكون صنديداً لا تفاوض على مبادئك، وهنا بيت القصيد الأول، السفير فضل الحنق ليس موظفاً دبلوماسياً عادياً يأتمر بأوامر ويمشي بحسابات، إنه "كاريزما القيادة" بحد ذاتها، خبرةٌ ممتدةٌ كجذور شجرة السدر اليمنية الأصيلة، متشبثةٌ بتراب المبدأ، حكمةٌ لا تأتي من كتب البروتوكول فحسب، بل من خضم التجارب الحية، ومن معاناة وطن عرف الحروب والتحديات. إنه – بتعبير الميدان – "الصنديد"، اجل انه الصنديد الذي لا يعرف للمساومة على الثوابت معنى، ولا يقبل الابتزاز مهما علت الضغوط وأسودت السحب، إنه حارسٌ أمين، لكنه ليس حارس بابٍ خشبيٍ لمبنى سفارة، إنه حارس لكرامة بلاده، وشرف تمثيلها، ومصالح شعبها، في زمنٍ يبيع فيه الكثيرون ذممهم بمزاد العلاقات، يظل هو رجل المبدأ الواحد الذي لا ينكسر .
إذا أردت أن تفهم سر هذه الشخصية، فادخل مجلسه في السفارة اليمنية بمقديشو، لن تجد مكتباً بارداً خلفه حاجزٌ من الكبرياء، بل ستجد – كما كانت مجالس العرب – منتدى مفتوحاً، منتدى أدبي يتبارى فيه الادباء، وثقافياً تتنوع فيه الحكايا، وسياسياً تنضج فيه الرؤى، مجلسٌ يلتقي فيه نواب البرلمان الصومالي، ووزراء الحكومة، وسفراء الأشقاء العرب، ومثقفون، وشباب طموح، يديره الرجل بحنكة المدير، وطبعه الأنيق، وحسه الإنساني، لا يستقبل "الكبير" فقط، بل يفتح قلبه وبيته للصغير قبل الكبير، للطالب قبل الوزير، وهنا تتحول الدبلوماسية من مراسلات رسمية إلى حوار إنساني صادق، لأن الرجل يعلم أن السياسة في آخر المطاف هي اتصالٌ بين البشر، قبل أن تكون تفاوضاً بين المصالح .
وأما اللافت – بل والمؤثر – في مسيرة هذا الرجل، فهو ذاك الجانب الإنساني الذي لا ينسى معه "أبناء الجلد" في الغربة، فبيته – حرفياً – مأدبة دائمة للجالية اليمنية في الصومال، ليست استقبالات رسمية، بل "عزومات" كما في بيوت اليمن، تفوح منها روائح "السلتة" و"الحنيد" و"المندي" اليمني الأصيل، وترتفع فيها ترانيم الذكريات عن صنعاء القديمة، وشوارع عدن، وسهول حضرموت. هو يعلم أن المغترب، رغم نجاحه، يحمل في داخله شرخاً اسمه "الحنين". فيجمعهم حول مائدة واحدة، كأسرة كبيرة، هو أبٌ روحيٌ لها، يذكّرهم بالوطن ليس بالخطب، بل بالأكلة والذكرة والضحكة، يشحن فيهم روح الأمل والعزيمة، ليس بوعود سياسية، بل ببسطة اليد وطيب الكلام وإشاعة جو الأسرة اليمنية، فيصنع "وطنًا مصغرًا" في دار الغربة .
السؤال يطرح نفسه: لماذا يكتسب هذا الرجل مثل هذا الاحترام من كل من يعرفه؟ الجواب بسيطٌ ومعقدٌ في آنٍ واحد، لأنه نموذجٌ نادرٌ يجمع ما يظنه كثيرون متناقضاً: صلابة الدولة ودفء الأسرة، يجمع حكمة الدبلوماسي المخضرم وقلب الأخ الكبير، يجمع هيبة المنصب وصدق الإنسان .
إنه فضل الحنق... اسمٌ على مسمى، فكل من يعرفه يجد "الفضل" – بمعنى الإحسان والتفضل، هو رجلٌ من زمنٍ مضى، يسير في زمننا الحاضر ليذكرنا بأن الدبلوماسية الحقيقية ليست في المناورة والمراوغة، بل في القيم والثبات والإنسانية، وأن أعظم قوةٍ للدولة في النهاية ليست في قوة اقتصادها أو سلاحها فحسب، بل في قوة رجالها الذين يحملونها في قلوبهم، وينشرون عطرها أينما حلّوا .
هكذا يُكتب التاريخ الحقيقي للأمم.. ليس فقط بالمعاهدات، بل بالرجال، وفضل الحنق – بدون مبالغة – من أولئك الرجال .