نطلب النصر كثيرًا، ونرفع شعارات الخلاص، ونتغنّى بالصلاح والتمكين، لكننا نغفل عن سؤال جوهري يسبق كل ذلك: كيف نريد الخلاص ونحن لم نتحرر من أحقادنا تجاه بعضنا البعض؟ كيف نرجو النصر ونحن نطعن في ظهور بعضنا في الخفاء، ونتربص بأخطائنا أكثر مما نترصد عدونا؟
نحن في خندق واحد، ووجهتنا واحدة، وعدونا واحد، ومع ذلك نعيش وكأننا جبهات متناحرة. نجتمع على طاولة واحدة، وفي مكان واحد، ونتقاسم تفاصيل الحياة اليومية، لكن القلوب متباعدة، والنوايا مشوبة، والشكوك حاضرة في كل كلمة وكل موقف. الحقيقة المؤلمة أن ما يجري بيننا ليس خلافًا عابرًا، بل حرب داخلية صامتة، لا يسمع ضجيجها إلا من يعيشها، ولا يعلم مداها إلا الله.
التاريخ لا يرحم، والسنن لا تحابي أحدًا. لم تنتصر أمة يومًا بالكثرة وحدها، ولا بالسلاح فقط، وإنما بتآلف القلوب قبل تراص الصفوف. النصر لا يُمنح لجماعة ينهش بعضها بعضًا، ولا لمشروع يقوده أناس يحملون الأحقاد أكثر مما يحملون الهمّ العام. التمكين ثمرة صدق، والصدق لا يجتمع مع الغِلّ ولا مع المكايدة ولا مع النفاق.
خرجنا لهدف واضح، أو هكذا يُفترض. لكن المؤسف أن الجهود تُستنزف في معارك جانبية، وفي تصفية حسابات شخصية، وفي إثبات من هو الأحق ومن هو الأجدر، بينما القضية التي خرجنا من أجلها تتراجع إلى الخلف. من يمتلك قدرة، أو علمًا، أو مهارة، فالأجدر أن يوجّهها إلى حيث يكون العدو، لا إلى صدر أخيه. فالأوطان لا تُستعاد بالعنتريات، ولا تُبنى بتكسير الداخل.
إن استشعار المسؤولية اليوم لم يعد خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة وجودية. هذه المرحلة لا تحتمل الصغائر، ولا الضغائن، ولا استعراضات القوة الفارغة. تحتاج إلى رجال يدركون أن الخلاف يُدار، ولا يُفجّر، وأن الاختلاف لا يبرر الخيانة ولا التشويه ولا الإقصاء.
﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا﴾ ليست آية تُتلى في الخطب فقط، بل منهج حياة، وشرط نجاة. الاعتصام الحقيقي ليس في ترديد الكلمات، بل في صدق المواقف، وفي تقديم المصلحة العامة على الأنا، وفي شدّ بعضنا بعضًا حين تميل الكفة.
قد لا نصل إلى الغاية سريعًا، وقد نخطئ، وقد نفشل أحيانًا، لكن المحاولة الصادقة في حد ذاتها موقف مشرف. أما الاستمرار في تمزيق الصف، ثم انتظار نصرٍ من السماء، فذلك وهم لا تصدقه السنن ولا يقرّه الواقع.
معتز الجعمي