آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-11:50م

الانتهاكات بحق المدنيين في اليمن: حق لا يسقط بالتقادم

الجمعة - 26 ديسمبر 2025 - الساعة 04:32 م
علي عبدالإله سلام

بقلم: علي عبدالإله سلام
- ارشيف الكاتب


منذ اندلاع الحرب في اليمن أواخر مارس من العام ٢٠١٥، ظل المدنيون هم الحلقة الأضعف والأكثر استهدافًا، لا بوصفهم أطرافًا في النزاع، بل كضحايا مباشرين لصراع متعدد الأوجه، تشترك فيه قوى محلية وإقليمية، وتتنازع فيه مشاريع السيطرة والنفوذ على حساب الإنسان وحقه في الحياة والأمان.

لقد مارست جماعة الحوثي، وقوات الشرعية، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وقوات حزب الإصلاح و القوات المشتركة في الساحل الغربي وطيران التحالف بقيادة السعودية والإمارات، أنماطًا مختلفة من الانتهاكات بحق المدنيين، تفاوتت في أدواتها لكنها تشابهت في نتائجها: القتل خارج القانون، القصف العشوائي، الاعتقالات التعسفية، الإخفاء القسري، تقييد الحريات، ونهب الممتلكات العامة والخاصة.


هذه الانتهاكات، مهما طال الزمن، لا تسقط بالتقادم، حتى لو مر عليها مئة عام، لأنها جرائم تمس جوهر القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.

الانتهاكات كمرآة تفضح أطراف الصراع

لم تعد الانتهاكات مجرد “أخطاء حرب”، بل تحولت إلى منهج ممنهج تستخدمه أطراف الصراع كأداة للسيطرة وبث الرعب وإخضاع المجتمعات المحلية. وهي في جوهرها تكشف زيف الخطابات السياسية والعسكرية التي ترفع شعارات “الشرعية” أو “التحرير” أو “مواجهة الانقلاب”، بينما الممارسة الفعلية على الأرض تؤكد أن المدنيين هم أول من يُضحّى بهم.

لم تقتصر الانتهاكات في اليمن على القتل والقصف واستهداف المدنيين، بل تمتد لتشمل الأسرى والمحتجزين لدى مختلف أطراف النزاع، الذين يتم التعامل معهم خارج إطار القانون الدولي الإنساني، وبعيدًا عن أبسط المعايير الإنسانية.

يتمتع الأسرى، مهما كانت صفتهم أو انتماؤهم، بحق أصيل وغير قابل للتصرف في:

- التواصل مع عائلاتهم.

- معرفة مصيرهم القانوني.

- الحصول على الرعاية الطبية اللازمة.

- وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق.

- الحماية من التعذيب وسوء المعاملة والإخفاء القسري.

حيث تعاني العديد من القوات المسيطرة على مراكز الاحتجاز من جهل واضح بأسس العمل العسكري واللوجستي، إضافة إلى ضعف التأهيل والتدريب، ما ينعكس بشكل مباشر على أوضاع الأسرى الصحية والمعيشية.

غياب البنية التحتية المناسبة، ونقص الخدمات الطبية، وافتقار أماكن الاحتجاز للحد الأدنى من الشروط الإنسانية، يجعل من الاحتجاز ذاته شكلًا من أشكال العقوبة الجماعية، بل وقد يرقى في بعض الحالات إلى التعذيب أو المعاملة القاسية واللاإنسانية.

إن الإهمال الطبي المتعمد أو الناتج عن سوء الإدارة، لا يعفي الأطراف من المسؤولية القانونية، بل يضاعفها، لأن الجهل أو ضعف التأهيل لا يشكّل مبررًا قانونيًا لارتكاب الانتهاكات.

إن توثيق هذه الجرائم لا يستهدف طرفًا بعينه، بل يفضح جميع الأطراف المتورطة، دون استثناء أو انتقائية، ويعيد الاعتبار للحقيقة بوصفها أساسًا لأي سلام عادل.


في الأسابيع الأخيرة من مطلع شهر نوفمبر هذ العام، برزت حضرموت كإحدى ساحات التوتر المتجدد، مع تمدد قوات جنوبية تتبع المجلس الإنتقالي الجنوبي إلى محافظتي حضرموت والمهرة في مشهد معقد، انتهى – في إحدى صوره الأكثر فداحة – بقصف جوي نفذته الطائرات السعودية اليوم الموافق ٢٦ ديسمبر ٢٠٢٥، أسفر عن سقوط مدنيين أبرياء وضحايا من قوى حلف حضرموت التابع للشيخ عمرو بن حبريش كما أن قوات المجلس الإنتقالي الجنوبي أخذت نصيبا.

ورغم جسامة الحدث، غُيّب الضحايا عن المشهد العام، لا لغياب الأدلة، بل بسبب انشغال المطابخ الإعلامية للأطراف المتصارعة بترويج معارك النفوذ والسيطرة على الأرض، وتصفية الحسابات السياسية، على حساب أرواح المدنيين الذين لا صوت لهم.

هذا التغييب المتعمد يعكس أزمة أخلاقية وإعلامية، حيث تتحول حياة المدني إلى رقم، أو يتم تجاهلها بالكامل إذا لم تخدم سردية الطرف المسيطر.


وتمثل حضرموت موقعًا استراتيجيًا وأرض خارج خارطة الحرب المتفق عليها في كل الأزمنه وهي مركز بالغ الأهمية، ليس فقط للقوى المتصارع في اليمن، بل لدول الخليج، نظرًا لمساحتها الشاسعة، وموقعها الجغرافي، وامتدادها الساحلي، وقربها من طرق الملاحة الدولية، فضلًا عن ثرواتها الطبيعية الوفيرة.

هذه الأهمية تجعل حضرموت ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية، وهو ما ينذر بأن أي تصعيد أو انزلاق أمني فيها سيكلف دول الخليج ثمنًا باهظًا، وقد يعيد ملف الحرب في اليمن إلى نقطة الصفر، بعد سنوات من الاستنزاف العسكري والسياسي.

وفي خضم هذا الصراع، يبقى المدنيون هم الضحايا المنسيون، تتكرر مأساتهم، بينما تتبدل التحالفات والخطابات.


على مدى سنوات، جرى توثيق عشرات الانتهاكات بحق المدنيين، رغم ما رافق ذلك من مضايقات، تهديدات، ومحاولات إسكاتنا عن هذا العمل الحقوقي الذي يحفظ بدرجة رئيسي حق الإنسان وهذا ماسبب لنا كناشطين وحقوقيين الكثير من المصاعب نتجت عنها السجن والاخفاء القسري والكثير من الانتهاكات والقصد منه هو التوقف عن هذا العمل. ومع ذلك، فإن هذه الجهود تشكل اليوم رصيدًا أخلاقيًا وقانونيًا لا غنى عنه.

إن أي فرصة جديدة لتوثيق الانتهاكات، خصوصًا في حال عودة الضبط القضائي واستقلال المؤسسات العدلية، تمثل خطوة مفصلية نحو:

١. محاسبة الجناة أيًّا كان انتماؤهم.

٢. إعداد ملفات قانونية متكاملة.

تقديمها للآليات الدولية المختصة.

٣. حفظ حقوق الضحايا وذويهم من الضياع.


فلا يمكن الحديث عن سلام حقيقي في اليمن دون إنصاف المدنيين، ودون الاعتراف بآلامهم وحقوقهم. فالتسويات السياسية التي تتجاهل العدالة، إنما تؤسس لدورات عنف جديدة.

إن حق المدنيين في العدالة لا يسقط، ولا يُقايض، ولا يُؤجل إلى ما لا نهاية. وتوثيق الجرائم اليوم هو الضمانة الوحيدة كي لا تُمحى الحقيقة غدًا، وكي لا ينجو المنتهكون من المحاسبة، مهما طال الزمن.


إن حفظ ذاكرة الانتهاكات، وتوثيقها اليوم، هو الضمانة الوحيدة لعدم ضياع الحقوق، ولمنع إعادة إنتاج الجرائم تحت مسميات جديدة، وللتأكيد أن الإنسان – مدنيًا كان أم أسيرًا – يظل صاحب حق، لا يسقط حقه مهما طال الزمن.