آخر تحديث :السبت-10 يناير 2026-11:16م

حين تخطئ البوصلة: الجنوب بين تحولات الاقليم ودرس التاريخ المنسي

الثلاثاء - 23 ديسمبر 2025 - الساعة 10:29 ص
د. هزم أحمد

بقلم: د. هزم أحمد
- ارشيف الكاتب


اليمن... أولاً ..

تمر القضية الجنوبية اليوم بمنعطف دقيق لا يحتمل القراءات السطحية ولا المواقف الانفعالية فما يجري في الاقليم من تحولات متسارعة خصوصا على ضفاف البحر الاحمر يفرض على القوى الفاعلة في الجنوب وفي مقدمتها المجلس الانتقالي اعادة نظر شاملة في خياراتها وتحالفاتها وخطابها السياسي

لم يعد خافيا ان الموقف السعودي شهد تحولا نوعيا ليس بدافع الخصومة مع الجنوب بل انطلاقا من قراءة استراتيجية اوسع لامنها القومي ولمعادلات البحر الاحمر ولمخاطر تفكيك الدول الوطنية المحيطة به هذا التحول شكل صدمة سياسية لمن اعتادوا التعامل مع الدعم الاقليمي باعتباره امرا ثابتا لا يتغير بينما السياسة بطبيعتها متحركة ولا تعترف بالرهانات الجامدة

الخلافات الاقليمية لم تعد تدار في الغرف المغلقة بل باتت تنعكس بوضوح على الملفات الساخنة من اليمن الى السودان ومن امن الممرات البحرية الى مستقبل الاستثمارات الكبرى وفي هذا السياق تتعامل الرياض مع اي نفوذ غير منسق على السواحل والجزر الاستراتيجية باعتباره تهديدا مباشرا لا يمكن تجاهله او القبول به كامر واقع

الرسالة هنا ليست موجهة ضد الجنوب بل ضد فكرة ادارة الجنوب كملف بالوكالة او ربط مستقبله بمشاريع تتصادم مع الجوار الطبيعي والتاريخي فالجغرافيا السياسية لا ترحم من يضع نفسه خارج محيطه الحيوي

من اخطر ما تشهده المرحلة هو معركة الوعي حيث تعاد صياغة السرديات وتبنى صورة ذهنية جديدة حول من يمثل الدولة ومن يقف خارجها فالاعلام ليس تفصيلا بل اداة تمهيد سياسي تستخدم لاعادة الاعتبار لفكرة الدولة الجامعة مقابل اضعاف اي كيان ينظر اليه بوصفه عامل تفكيك او اقصاء

هنا تبرز الحاجة الملحة لاعادة وصل الجنوب بمشروع وطني اوسع لا يقصي ولا يعادي ولا يكرر اخطاء الماضي حين تم الرهان على تحالفات بعيدة عن العمق العربي فكانت النتيجة عزلة وانكسارا دفع ثمنه المواطن قبل القيادات

التاريخ لا يعيد نفسه حرفيا لكنه يعاقب من يتجاهل دروسه وما جرى بعد 1967 من قطيعة مع الجوار ومن خيارات حادة قاد الجنوب الى مسار مكلف سياسيا واقتصاديا واليوم تبدو بعض الملامح وكأنها تعود باسماء جديدة وخطاب مختلف لكن بالنتائج ذاتها

الشرق وتحديدا حضرموت يظل المؤشر الاهم لاي توازن جنوبي اقليمي ومن هناك تبدأ عادة التحولات الكبرى ايجابا او سلبا وتجاهل هذه الحقيقة خطأ استراتيجي لا يقل خطورة عن تجاهل التحولات الاقليمية نفسها

لا مستقبل لاي قضية عادلة دون قراءة واقعية لموازين القوى ودون شراكة صادقة مع الجوار ودون خطاب وطني يقدم المصلحة العامة على المكاسب الآنية فالسياسة ليست تحديا دائما بل فن التكيف الذكي مع المتغيرات وحماية الهدف باقل كلفة

الجنوب لا يحتاج الى صدامات جديدة بل الى وعي جديد ولا يحتاج الى رهانات معزولة بل الى تموضع ذكي داخل الاقليم ومن لا يراجع خياراته اليوم قد يجد نفسه خارج المعادلة غدا هذه دعوة لاعادة صناعة الوعي قبل ان تعيدنا الاخطاء ذاتها الى نقطة الصفر.