عن وابصة بن معبد قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " جئت تسأل عن البر ؟ " قلت نعم قال : " استفت قلبك ، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب ، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك "
استبَقَ النبي صلى الله عليه وسلم من جاءه ليسأله عن البر بتوجيه هذا السؤال : جئت تسأل عن البر ؟ قال نعم قال : " استفت قلبك "
ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم علم ما يضمره الرجل عن طريق الوحي إلا أن ذلك لا ينفي كونه صلى الله عليه وسلم وهو معلم الإنسانية وطبيب قلوب البشرية ومحير عقول الفلاسفة قد أوتي من الإطلاع والخبرة في الجوانب النفسية بما لم يسبقه فيه أحد من الخلق ولا يلحقه
ونلاحظ في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أعطى النفس مكانة شريفة وقد جعلها مرجعا وأنزلها منزلة المفتي المستأمن على علمه ودينه والناصح لغيره والنفوس تقوم بذلك الدور إذا لم تتلوث بلوثة الهوى وحب الشهوة العاجلة ، فإذا التبست الأمور وترددت بين المصالح والمفاسد والمنافع والمضار فإن نفس المؤمن التقي تكون رديفا للشرع وقاضيا بالحق ومخرجا من الحيرة
وكم من أناس تراهم عتقاء أحرارا من رق النفوس مع قلة علمهم لا يوجد صراع بين ظواهر أعمالهم وبواطن ضمائرهم تسير حياتهم في نسق واحد تصالحت فيه النفس مع الأعمال جميل المظهر سليم القلب يرتقي بأخلاقه كل يوم حتى الممات
وآخر يتنازع فيه الظاهر والباطن يريد أن يقيم بينهما صلحا فلا يستطيع ولو طلب ذلك من الشرع وتكلفه فإن نفسه لا تطاوعه ! يبحث عن الفتوى لتثبيت مكانه وإظهار أن الحق معه وفي جانبه في تكلف ملحوظ ذمه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " وإن أفتاك الناس وأفتوك "
فالحديث واحدة من قواعد الشرع العظيمة في إراحة الإنسان نفسه من عناء البحث من أجل الحصول على ما لم يتبين أمره ولم يوافق وجها شرعيا سليما يقدُمُ معه المرء على أمره ونفسه مطمئنة لا شك فيه ولا شبهة سلم له فيه الظاهر والباطن استطاع أن يكسب نفسه وتمده بالثقة بسلامة تصرفاته واستقامة حياته لا نفسا فقدها وصعب عليه إقناعها بأفعاله فكيف له أن يقنع غيره !
نفوس الخلق مِعطاءة
فمن حرر نفسه من رقها وهواها تفرغت لمصالحها وانتفعت بحياتها واستغلت أوقاتها ، ارتقت في سلم المجد درجات وكان ذلك دأبها حتى الممات
محمد العاقل