آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-09:58م

الكفر المهذّب بالسياسة

الخميس - 18 ديسمبر 2025 - الساعة 09:44 م
علي محمد سيقلي

بقلم: علي محمد سيقلي
- ارشيف الكاتب


علي محمد سيقلي

في هذا البلد، لا تُقاس السياسة بميزان الحق، بل بقدرة صاحبها على إقناعك أن الخطأ فضيلة إذا خرج من فمه، وأن الصواب جريمة إن نطق به غيره. السياسة هنا لا تطلب منك أن تفهم، بل أن تهز رأسك موافقًا، ولا تحتاج رأيك، بل توقيعك المعنوي على بياض، وأخطر ما يمكن أن تفعله كمواطن صالح هو أن تُظهر غضبك بوضوح، فالغضب يجب أن يكون داخليًا، مكتومًا، ومُهذّبًا، كفنجان شاهي بارد يُقدَّم لضيف غير مرغوب فيه.


في قاموسهم، الجوع ليس سببًا للاحتجاج، بل تهمة في حق الأخلاق العامة، والراتب المتأخر ليس حقًا مسلوبًا، بل سوء إدارة شخصية. أما الكهرباء، فهي كائن أسطوري، من يذكره علنًا يُتَّهم بالتشكيك في هيبة الدولة. الدولة التي لا تملك إلا هيبتها، ولا تحمي إلا صمتها، ولا تُنتج إلا بيانات تشرح للمواطن لماذا عليه أن يتحمّل أكثر.


السياسة عندنا لا تحاسب الفعل، بل النبرة، يمكنك أن تسرق وتبتسم، فتُكافأ، ويمكنك أن تطالب بحقك وتعلو نبرتك، فتُدان. المهم أن لا تزعج السادة وهم يشرحون لك أن المرحلة حساسة، وأن الوقت غير مناسب، وأن الوطن يمرّ بظروف استثنائية منذ عقود، وما زال يمرّ، ولن يصل، لأن الوصول يتطلب اعترافًا بالخطأ، وهذا كفر سياسي لا يُغتفر.


الغريب أن من يطالب بالعدل يُتهم بالفوضى، ومن يذكّر بالخوف من الله يُصنَّف خطرًا، ومن ينافق يُصبح “عاقل المرحلة” و”رجل التوافق”.

تُكتب الأحكام قبل الأسئلة، وتُجهّز التهم قبل أن يفتح المواطن فمه، وإن فتحت فمك، فافتحه باعتذار، لا بمطلب. اطلب الصفح لأنك فكّرت، واعتذر لأنك شعرت، واشكرهم لأنهم تركوك حيًا ترزق كالبهيمة.


في هذه البلاد، لا يحتاج الجلاد إلى سوط، يكفيه خطاب، ولا يحتاج إلى سجن، يكفيه تصنيف.

ضعك في خانة “المشاغب” تنتهِ الحكاية. بعدها، يتولى القطيع مهمة التأديب، يهاجمك دفاعًا عن دولة لم تحمِه يومًا، وعن سياسة لم تُشبع طفلًا، ولم تُنر شارعًا، ولم تُصلح مدرسة، لكنه الدفاع عن الوهم أسهل من مواجهة الحقيقة.


يقول لك أحدهم: “اصبر، نحن في معركة”. تسأله: مع من؟ فيقول: مع أنفسنا، ثم يطلب منك أن تقاتل صامتًا، وأن تموت بابتسامة، وأن تعتبر ذلك بطولة وطنية. البطولة هنا أن تتحمّل أكثر، وأن تطلب أقل، وأن تشكر كثيرًا. فإن لم تفعل، فاعلم أنك لا تفهم في السياسة، وأنك كفرت بنعمتها.


الحكمة الشعبية، التي لا تدخل في مناهج التربية الوطنية، تقول إن أحب الأبناء هو من يعارض نصيحة أبيه ساعة الغضب، لأنه صادق. أما البقية، فهم بارعون في الطاعة، فاشلون في الأمانة، وربما لهذا، يبقى الأمان حكرًا على من لا يعترض، ولا يفهم، ولا يسأل. كائنٌ واحد فقط يمشي على أربع، مطمئنًا في هذا البلد، لا يخاف تصنيفًا ولا بيانًا ولا مساءلة لأنه لا يتقن السياسة، ولا يكفر بها.


اللهم لا حسد