في لحظة عابرة، صحوت على رنين الهاتف. كان المتصل شخصية عامة ومرموقة. قال لي دون مقدمات:
اكتب ما تشاء، إلا أن تنتقد الأشقاء
توقفت عند العبارة طويلًا اتسائل مالذي يقصده بنقد الاشقاء وأنا لم اذكر باني انتقدتهم والاهم هو لماذا يصبح الأشقاء خطًا أحمر، بينما تُمحى الخطوط التي تحمي الحلفاء.
ولماذا يُطلب من الكاتب أن يصمت، لا لأن ما يكتبه غير صحيح، بل لأن الجهة المعنية لا ترغب في سماعه؟
جميعنا نعلم انه منذ انطلاق الحرب في اليمن، رُفعت شعارات كبيرة ابرزها استعادة الدولة، دعم الشرعية، إنهاء الانقلاب. لكن بعد سنوات طويلة، لم تُستعد الدولة، ولم تُحرَّر صنعاء، ولم تحافَظ الشقيقة حتى على رأس الشرعية نفسها. فالرئيس عبدربه منصور هادي غادر المشهد معزولًا، بعد أن تخلت عنه الجهة التي قادت التحالف باسمه.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: ماذا حدث لحلفاء المملكة العربية السعودية داخل اليمن
أين هم؟
ولماذا تراجع نفوذهم السياسي والعسكري واحدًا تلو الآخر، حتى بات وجودهم شكليًا، لا يتجاوز الأسماء والمناصب الخالية من التأثير؟
في المقابل، لا يمكن تجاهل النموذج الآخر. فحلفاء الإمارات العربية المتحدة، رغم كل الجدل، نجحوا في تثبيت حضورهم على الأرض. طارق عفاش، الذي وصل إلى عدن في ظروف بالغة الصعوبة، تحوّل إلى قائد قوة فاعلة تسيطر على مساحات استراتيجية في الساحل الغربي. المخا، والخوخة، وذباب، وباب المندب، والوازعية ليصبح نموذج يضرب به المثل ليجعل من منطقة سيطرته لم تعد مجرد خرائط حرب، بل مناطق أعيد إليها قدر من الحياة والاستقرار.
وينطبق الأمر ذاته على المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي تطور من كيان احتجاجي إلى سلطة أمر واقع، مكتملة الأركان تقريبًا، ولم يتبقَّ له سوى الإعلان بيان رقم واحد الرسمي.
أما من راهنوا بالكامل على الشقيقة الكبرى، فقد وجدوا أنفسهم خارج المشهد. لا قرار، ولا نفوذ، ولا قدرة حتى على إدارة مكاتبهم.
وعندما أُسندت السلطة إلى رشاد العليمي، مُنح جغرافيا واسعة، من شبوة إلى حضرموت والمهرة، لكنه فشل في تثبيت السيطرة عليها، ليس بالضرورة لضعف شخصي، بل لأنه يعمل ضمن هامش ضيق، بوصفه أقرب إلى موظف سياسي منه إلى رئيس يمتلك قراره.
ما ينبغي التنبه له اليوم، أن الشارع اليمني لم يعد ينظر إلى الأمور بالمنظار القديم. تتشكل قناعة متزايدة بأن السعودية لا تبني حلفاء بقدر ما تستهلكهم، ولا تمنحهم أدوات الاستمرار، بل تتركهم يواجهون مصيرهم حين تنتهي الحاجة إليهم.
والخطر الحقيقي، أن هؤلاء الحلفاء لا يسقطون وحدهم، بل يسقط معهم ما تبقى من الثقة،بالشقيقة الكبرى كما نسميها ويُسجَّلون في ذاكرة الأجيال القادمة لا كقادة حاولوا إنقاذ الوطن، بل كنقاط سوداء في تاريخه الحديث.
ليست هذه دعوة للعداء، ولا خطاب كراهية، بل صرخة رأي. فالحليف الذي لا يُصان، يتحول إلى عبء، والصمت عن الحقيقة لا يصنع استقرارًا، بل يؤجل الانفجار.